الإثنين , 18 ديسمبر 2017
الرئيسية / كُتّاب " مصرية نيوز " / الاغتراب .. سط بحار العدمية

الاغتراب .. سط بحار العدمية

بقلم : نادين عبد الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هى غربة فكرية وشعورية تزداد ولا تنقص٬ يشعر بها جيل بأكمله٬ حمل أمانى وأحلاما لهذا البلد لم يتحقق منها شىء. كان لهذا الجيل أفكار وتصورات٬ بعضها كان لزامًا تحقيقه٬ وبعضها كان يمكن تأجيله حين تنضج ظروف ترعرعه٬ إلا أن شيئًا لم يتحقق فى كل الأحوال، بل وشُيطنت الأحلام ورُجم حالموها. تمنى هذا الجيل أن يرى مصر الحديثة المتطورة٬ مصر الديمقراطية٬ مصر العادلة٬ مصر التى تبنى الإنسان قبل المشروعات٬ والعقارات٬ والثروات. عن مصر فقد استمرت وعاشت٬ كما هو مكتوب لها منذ الأزل٬ أما هذه القيم فلم يعد لها فيها مكان. ففى وضع اقتصادى يزداد سوءُه يوما بعد يوم٬ لم يتوار المطالبون برؤى مصر المختلفة٬ بل اختفى المساندون لهم.

وجد هذا الجيل نفسه وحيدًا يستأنس فقط بأحلام تؤرقه٬ وبأصدقاء يذكره وجودهم بأن توارى الحلم واختفاءه أصعب بكثير من غيابه. ينسد الأفق أكثر فأكثر٬ يرتفع الشعور بالقهر ممزوجًا بالعجز٬ يزداد منسوب الضغوط الاجتماعية فيقاوم البعض٬ يتقوقع البعض الآخر٬ ويحاول من تبقى أن يذهب إلى بلاد الأرض الواسعة. ذهب لأنه تمنى أن يجد مكانًا لقيمه المؤمنة بالإنسان٬ بحقوقه وحرياته٬ أو لأنه انتظر من يدعم تفرده العلمى ويرحب بشجاعته المهنية٬ أو لأنه سعى إلى من يساند تصوراته الحداثية أو التنموية أو العملية. على الأرجح٬ يتلقى أغلبهم ما يحتاجه من دعم لكى يتفوق٬ وتنجح أفكاره بنجاحه، أما شعور الغربة فلم يتزحزح، نجاحه٬ ينعش عقله وروحه٬ أما قلبه المغترب فيعتصر ألمًا على حلم لا يكتمل سوى فى موطن ميلاده٬ ولا يكتسب معناه سوى فى بلده. يختلف المكان وتتبدل الناس٬ أما ذات الإحساس فلا يتغير٬ هى غربة فى الداخل كما فى الخارج.

ذهب من ذهب٬ وبقى من بقى٬ أما المكوث فكان له٬ هذه المرة٬ طعم مر. وجد هذا الجيل نفسه وسط مجتمع بلا روح٬ ووسط أناس قُتلت أحلامهم فاستسلموا أو اعتادوا واقعًا جديدًا٬ وإن كان أسوأ الأمور هو الاعتياد. لم يعد الألم فى تلاشى الحلم واختفاء مسانديه بل فى البقاء فى عالم العائشين بالجسد والأموات بالروح. قاتل هو عالم لا يبحث عن المعنى٬ ومجتمع وصل به العجز إلى فقدان الرؤية خارج سجن الضغوط اليومية. ولأن القيمة والبحث عنها يتلاشى فإن الإحساس بالأمل وبالإيجابية يختفى أيضًا. أن تمشى فى شوارع المحروسة أو أن تصل إلى مكان عملك يعنى أن تمتلئ روحك بالطاقات السلبية٬ تلك التى تتسرب إلى نفسك٬ فتزيدها وهنًا٬ وتملؤها غضبًا مكتومًا. شعور عام بغياب «النفس» لعمل أى شىء٬ ينتشر٬ وكأن فيروس اليأس والإحباط قد تفشى٬ فتمكن من روح المصريين.

نعم٬ مؤلم هو البقاء وسط بحار العدمية لمن كان قلبه ينتعش بالأمل٬ وروحه تنفح بحب الإنجاز والعمل. على كل٬ لن تهدئ أمواج هذه البحار الهادرة سريعًا٬ خاصة لو استمرت عادة التأقلم والاعتياد. ومع ذلك سيظل نبض هذا الجيل فى قلوب تلك التى تليه ضاربًا بقوة تحمل معها رياح التغيير٬ حتى ولو بعد حين.

شاهد أيضاً

صفقات .. وصفعات

بقلم : فهمى عنبه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ** كان من الطبيعي جداً ألا يتأخر الرئيس الامريكي دونالد …