الأحد , 22 يوليو 2018

فضيحة بجلاجل

بقلم : محمد هحرس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“شف يا أستاذ.. عليك تخلي الشقة اليوم وفورا.. ما أبيك تسكن عندي ولا في الحيّ كله”

هكذا بلهجته البدوية، فاجأني هاتفيا صاحب البناية، هو بالمناسبة مدير مدرسة التي كنت أقطن بها، حيث أردف غاضبا “واليوم.. يعني اليوم”!

في غمرة ذهولي تذكرت ما نُسب للرئيس الأميركي السابق أوباما، وقوله للرئيس المصري الأسبق مبارك إبان فوضى 25 يناير Now Is Now، فابتسمت وسألته عن السبب، فهاج أكثر، واستفاض يشرح ما لم أتوقعه.. إذ اعتبر مقالي الذي نشر يومها تشهيرا به سيتقدم بشكوى ضدي للجهات الرسمية، ولن يطلب أقل من الجلد!

أسقط في يدي.. لم يهمني أين أذهب بأسرتي هذا اليوم، بقدر ما كان المرعب: كيف أتفادى هذه العقوبة التي غالبا ما تكون علنية و”فضيحة بجلاجل” كما يقول المثل الشعبي.

صاحب البناية، كان رجلا متعدد المشاريع، إذ افتتح أسفلها محل حلاقة يديره أحد أشقائنا الهنود الذين كانوا يتفننون في الابتسامة والإيماء بالرأس و”البربرة” بما لا يمكن فهمه حتى مع الإنكليزية والفرنسية، والمرّة الوحيدة، والأخيرة، التي ساقني الحظ السيء لدخول المحل كانت على أساس “الجار أولى بالشفعة” لأني على عجل لحضور مناسبة ما، وليس لديّ وقت للذهاب إلى حلاقٍ آخر، وبعيدا عن الجمع الغفير من مواطنيه الذين تجمعوا عنده كان النقاش محتدما وبصوت عال ومتداخل إلى درجة الشجار التي لا يستمع فيها أحد للآخر، ولسذاجتي قلت في نفسي، لعلهم يتحدثون في السياسة أو يصفّون حسابات عائلية كأنهم أقارب، لأكتشف أن لا لهجة واحدة تجمعهم، وكل يلجأ إلى الصراخ كمحاولة لإفهام من حوله!

إلى هنا والأمر عادي.. ولكن على كرسي الحلاقة، لفتت انتباهي لافتة معلقة أمامي بجوار المرآة، مكتوب عليها بحروف عربية “احلق 4 مرات.. والخامسة مجانا”، فأشرت إلى الحلاق متسائلا عن جديتها فقال بلغة عربية مكسرة وكأنه يترجمها لي “رفيق.. انت أهلق أربعة مرة سيم سيم.. في خامسة ما في فلوس”، فهللت تكبيرا، ووجدتها فكرة لمقالي الأسبوعي بعد يومين، فاعتبره صاحب البناية تشهيرا يستوجب جلدي عند “الجامع الكبير” المكان المعتاد لتنفيذ حدود الله، ومنها “القصاص”، التي كثيرا ما شهدتها.

تحسست ظهري، وأنا أفكر في مصيري المنتظر، قبل أن أحادثه وأشرح أني لا أقصده، رغم استعدادي لترك بنايته كلها والحي الذي يقطن فيه، فيخبرني بعد أن هدأ.. أنه قد أزال اللافتة و”عفا” عني لوجه الله، ومن يومها وكي لا “أنسحب” من لساني.. لم أدخل محل حلاقة قط، لا هناك، ولا هنا.. في مصر!

  • منقول عن ” العرب “

شاهد أيضاً

قمة الأرض.. وتقلبات ترامب!!

بقلم : فهمى عنبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ** وسط أجواء مسرحية و”شو إعلامي” أهدي الرئيس الروسي فلاديمير …