الثلاثاء , 16 أكتوبر 2018
الرئيسية / كُتّاب " مصرية نيوز " / عودة مهاتير .. ثنائية الكهول والشباب

عودة مهاتير .. ثنائية الكهول والشباب

بقلم : حلمى النمنم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عاد مهاتير محمد إلي السلطة مرة ثانية في ماليزيا. إذ فاز التحالف الذي قاده بالانتخابات التي جرت نهاية الأسبوع الماضي. يبلغ مهاتير من العمر 92 سنة. وكان تولي رئاسة الحكومة أول مرة سنة 1981. وغادرها تلقائياً في 2003. وفي العام التالي زار مصر مدعواً من مكتبة الاسكندرية. واتيح لي أن ألتقيه خلال تلك الزيارة. كما ألتقاه غيري من الزملاء الصحفيين.
وكان مدير المكتبة السابق د. إسماعيل سراج الدين وجه الدعوة إلي مهاتير وأراد أن تكون الزيارة علي نطاق ضيق. يزور الرجل المكتبة ويطلع علي ما بها. ويلتقي بعدد محدود من العقول الكبيرة من المصريين. في جلسة ودية. وكنت أنا من اقترح عليه أن تكون الزيارة واللقاء عاماً. موسعاً. يدعي إليه أكبر عدد من المهتمين بالشأن العام في مصر. بالإضافة إلي المتخصصين وكبار المسئولين. بما فيهم رئيس الحكومة لو أمكن. وبالفعل حضر اللقاء عدد من السادة الوزراء وقتها. بالإضافة إلي مستشار الرئيس للشئون السياسية أسامة الباز. ونجحت الزيارة نجاحاً كبيراً. وألقي الرجل محاضرة بالمكتبة حضرها الآلاف.
شغلني وقتها بالنسبة له أنه صار رئيساً للحكومة سنة 1981. وهي نفس السنة التي تولي فيها الرئيس حسني مبارك المسئولية. ثم تركها 2003. أي بعد حوالي 23 سنة. وكانت ماليزيا صارت نمراً من النمور الآسيوية. تضاعف دخل المواطن وازداد الإنتاج القومي. وانتقلت اقتصاديا وحضارياً. بينما لم يتحقق ذلك عندنا. كنا في تراجع شديد.
بودي لو أن هناك دراسة علمية موثقة. تقارن بين وضع ماليزيا سنة 1981 ووضعنا. والفرص التي أتيحت لكلا البلدين للنمو والنهوض. ولماذا قفز مهاتير محمد ببلاده. بينما نحن ازادات أوضاعنا سوءاً. رغم المعونات والدعم الهائل. الذي وصلنا خاصة بعد سنة 1992 وانتهاء بغزو العراق للكويت. ما الذي جري بالضبط؟ هل هو الفساد الذي توحش واستفحل وقتها في حياتنا وإدارتنا؟ هل هو افتقاد الطموح. حيث كان لدي مهاتير مشروعاً للبناء والنهوض بينما نحن افتقدنا مثل هذا المشروع. واكتفت القيادة السياسية عندنا ممثلة في الرئيس مبارك. بأن يدير مصر بمنطق عمال اليومية. أي أن يمر كل يوم بيومه. ونحمد الله علي ذلك. فتم تأجيل المشاكل وترحيلها إلي فترة قادمة. وكان أن انفجرت المشاكل كلها مرة واحدة. فوجئنا بمرافق أساسية بدأت تنهار منذ سنة 2010. مثل قطاعپ الكهرباء. حيث أخذت الكهرباء في الانقطاع. وكذلك الأمر بالنسبة لقطاع البترول ناهيك عن المشكلات السياسية الكبري. مثل الاحترام الطائفي. الذي اتسع نطاقه. ولم تبذل جهود حقيقية لمواجهته وتفاقمت الأوضاع حتي قيام ثورة 30 يونيو. ولولا أن الرئيس السيسي جعل علي رأس أولوياته في المرحلة الأولي. هذه القطاعات ما نجونا.
عقب خروجه سنة 2003. بدأت بعض الآراء تتحدث عن مهاتير وأنه كان سلطوياً وديكتاتورياً. وانتشر ذلك في بعض الصحف العالمية وكذلك لدي بعض المحللين المصريين. من كرادلة النموذج الأمريكي. في الديمقراطية واستدل هؤلاء علي ما يقولون بموقف مهاتير من زميله في مرحلة الكفاح أنور إبراهيم. الذي كان وزير المالية. فقد عزله وقدمه للمحاكمة. وربما يكون ذلك صحيحاً. كله أو بعضه. وربما يكون تشهيراً لكن الرجل قدم تجربة في البناء والنهوض تدرس وتم تقديرها إنسانياً وعالمياً.
اليوم يعود إلي الحكم بنتيجة الانتخابات. الظريف أن شريكه في التحالف الذي نجح هو أنور إبراهيم نفسه. السياسة والعمل العام يعرفان الاتفاق والاختلاف.. الود والخصام. ولا مانع من الخصام العنيف أحياناً. ولأن الأمور لا تكون شخصية وتتعلق بالشأن العام. يسهل العودة والالتقاء ثانية بين الفرقاء. فالخلاف لا يكون لأسباب ولا لعوامل شخصية. أو أن هذه العوامل تتراجع ولا يصبح لها الأولوية.
ما يستحق التوقف عنده هو سن مهاتير. الذي جاوز التسعين من العمر. وليس الحالة الأولي. فسبق للشعب التونسي الشقيق. أن اختار بكامل حريته الرئيس الباجي قائد السبسي. وقد جاوز التسعين أيضاً. والرجل يؤدي دوره بكفاءة عالية. المعني هنا أن الاختيار والقرار للشعب. قد يتجه الاختيار إلي الشباب أن أراد التجديد والبحث عن وجه غير مألوف وقد يتجه إلي كبار السن. إذا كانت لديهم التجربة والخبرة. ومن ثم الحكمة لدفع الأمور والبلاد نحو الاستقرار والهدوء. والاستفادة بما لديهم من قدرات خاصة.
والمقصود أن السن لا يجب أن يكون عقبة أمام صاحبه. سواء كان شاباً أو كهلاً. في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة كان كلا المتنافسين. الرئيس ترامب والسيد هيلاري فوق السبعين. لكن في كندا أجري انتخابات رئيس وزراء فوق الثلاثين وفي فرنسا فاز الرئيس ماكرون. ولم يكن أتم الأربعين. لكن كانت لديه تجربة من العمل السياسي وزيراً في حكومة هولاند. فضلاً عن تجربته الحزبية كذلك.
العمر بحد ذاته. ليس ميزة ولا عيباً بالمطلق. سن الكهولة قد يعني الحكمة والخبرة والرصانة والتعقل وتجنب الاندفاع الأهوج. لكن ليس كل كهل حكيماً. هناك بتعبير ¢نجيب محفوظ¢ كهول ¢أوغاد¢ الذين يريدون للزمن أن يتجمد عندهم. ويقف بالجميع وبالبلاد من أجلهم. فيقطعون الطريق علي المستقبل. يسعون للاستحواذ علي كل شيء. وابتزاز الآخرين أو ترهيبهم بدعوي ¢تقدير الكبار واحترامهم¢ وقد عانينا طويلا من بعض هؤلاء. الذين أصروا علي قطع الطريق علي الآخرين. ووضع البلاد والناس في ثلاجة أيامهم. لكن هناك كذلك الحكماء. كان لطفي السيد وإبراهيم بيومي مدكور. وبطرس غالي ومحمد حسنين هيكل فوق التسعين. ولم يتوقف عطاء أي منهم ومشاركته بالأدب والفكر والعمل. وكان نجيب محفوظ إلي أيامه الأخيرة يقطر حكمة عميقة. تضيف إلي من يستمع إليها ويتأملها.
وفي ثقافتنا العامة وتراثنا. نعرف مثل هذه النماذج. هناك نموذج لقمان الحكيم. ونموذج ¢العجوز المتصابي¢ الذي يعاند الزمن أو يحاول معاندته والوقوف في وجه الأيام.
الأمر نفسه بالنسبة للشباب. سوف نجد فيهم من لديه الرغبة في تحقيق الذات. فيسرع إلي الإنجاز والعمل وتحمل المسئولية. فضلاً عن الرغبة في التجديد والابتكار وتقديم إضافة نوعية. إلي ما سبق. وبحكم السن يكون أكثر جرأة ويمتلك روحاً متوثبة للتعامل مع أصعب المواقف. وقد عرفنا من هؤلاء كثير من حياتنا وفي تاريخنا. ولدينا اسماء مثل قاسم أمين ومصطفي كامل وغيرهما في مختلف مجالات الحياة . اقتصادياً وفنياً وثقافياً وسياسياً. وهناك من اعتبروا فترة الشباب فترة الجموح والعبث. أو الاستحواذ علي كل شئ. دون كفاءة أؤ تأهيل بدعوي تمكين الشباب.
في كل الأحوال لا يجب أن يكون العمر عبئاً علي صاحبه ولا علي المجتمع ولا علي الدولة. فلا يفرض أحد نفسه علينا بدعوي ¢احترام الكبار¢ ويأخذ ما لا يستحق ويزاحم الجميع. وكذلك لا يفترض أحد لنفسه الحق في أمور لا يستحق بدعوي أنه شاب. مثل أولئك الذين هتفوا يوما عن أحد الشباب. ¢أنه شاب من حقه أنه يأخذ فرصته¢.. وكانت تلك الفرصة التي يتحدثون عنها رئاسة الجمهورية!!

شاهد أيضاً

.. وستبقي مصر عصية علي الانكسار

همس النيل بقلم : حمدى حنضل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . لم.. ولن تنكسر مصر.. ستبقي مصر.. بفضل …