الإثنين , 18 ديسمبر 2017
الرئيسية / كُتّاب " مصرية نيوز " / ” شكلية ” الملابس .. تشكلنا

” شكلية ” الملابس .. تشكلنا

بقلم : يمينة حمدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

رافقتُ شقيقتي في العام الماضي لشراء ملابس لابنها البالغ من العمر عشر سنوات بمناسبة عيد الفطر، فوقعت عيناه على سروال جينز مرقّع، وأصرّ على أن تشتريه له لأن زميله في المدرسة يمتلك مثله، إلا أن طلبه لم يرق لوالدته ولم يُرض ذائقتها، أو يستجب لبعض الملامح الوجدانية التي ترسمها في ذاكرتها عن الأناقة والذوق الرفيع.

رفضت شقيقتي يومها أن تشتري السروال الذي اختاره ابنها محاولة تطبيق قواعدها في الأناقة عليه، وأكثر ما كانت تردده على مسمعه “لن أشتري لك سروالا يجعلك جزءا من هذا المظهر المهلهل والرث الذي أراه في كل مكان ويشعرني بالاشمئزاز، أريد لك ملابس جميلة ومرتبة وليس خرق المتسولين والمتسكعين”.

لم تكن كلمات شقيقتي نابعة من تحيّز ضد هذه الشريحة من الناس، بقدر ما كانت تعبيرات عفوية أطلقتها لعدم رضاها عن هذا النمط من المظهر الذي لا يروق لها.

تبدو شقيقتي محقة نوعا ما في رفضها الرضوخ لفكرة أن يكون ابنها جزءا من هذا الهوس الاجتماعي بالمظهر الرثّ الذي يحمل بلا ريب سوء تقدير كارثي على الذوق العام للأطفال وعلى مستقبل مظهرهم.

ولكنني غافلتها وكسرتُ قواعدها في الأناقة، ودخلتُ المحلّ واشتريتُ السروال لابنها حتى لا يشعر بالاستياء، فمن حقه أيضا أن يختار هيئته وفق ما يريد، ومن دون أن يشعر أن والدته تفرض عليه ملابس لا يحبها.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في سوء اختيارات الأطفال أو في عدم وعيهم بالأشياء التي تناسبهم ولا تناسبهم، بل في الصور المبتذله للمظهر التي أصبحت تكتسح عالمهم الصغير، وتعكسها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وهيئات الأشخاص المحيطين بهم في البيت والشارع والمدرسة، جميعها تؤثر على تفضيلاتهم الذوقية وترسخ لديهم أفكارا ذهنية عن أنفسهم بناء على ماهو سائد في وسطهم الاجتماعي.

لو كان هناك زي يتحقق من خلاله مفهوم العدالة الاجتماعية، حتما لن يكون سوى سراويل الجينز الممزقة التي تظهر جميع الناس سواسية، ولكن من المؤسف أن أسعارها الباهظة وماركاتها العالمية لا تضع جميع طبقات المجتمع على أرضية متساوية، بالإضافة إلى أن من يرتدونها اليوم لا ينظرون إليها كرمز كما هو الشأن في حقبة الستينات من القرن الماضي، عندما انتشر الجينز بسبب سعره البخس بين الأميركيين من أبناء الطبقة الوسطى والطلبة كتعبير عن تضامنهم مع الطبقة العاملة التي كانت أكثر الطبقات تأثرا بأزمات التمييز العنصري وقرارات الحرب.

أغلب من يرتدون الجينز المهترئ اليوم لا يعتبرونه مرادفا للأفكار التضامنية مع الفقراء والمحتاجين أو كرمز يحاولون من خلاله تطبيق مبدأ الديمقراطية المفقودة في بلدانهم، بل هو مجرد ولع بتقليعات الموضة وهوس باتجاهات الماركات العالمية.

يريد الناس أن يشعروا بالمزيد من الانطلاق والحرية بارتدائهم سراويلهم الممزقة، ولكنهم أيضا في هذه الهيئة المهلهلة يفتقدون كياسة الأناقة وهدوئها من أجل مظهر لا يسر الناظرين بقدرما يشعرهم بالنفور وعدم الارتياح.

وقد يتعمد الكثيرون الظهور بهذه الأزياء غير المرتّبة حتى في أماكن العمل وفي المناسبات الرسمية بهدف مقاومة الأعراف السائدة عمدا، وليشدوا الانتباه إليهم ويبرهنوا على أنهم متحررون من شكليات الملابس، إلا أن المصمّم الإيطالي الراحل جياني فيرساتشي يدعونا جميعا إلى عدم الانسياق وراء الموضة، ولا نجعلها تمتلكنا، والأهم من هذا كله علينا أن نقرر من نكون، وما الذي نريده، وذلك عبر الملابس التي نرتديها، وبالطريقة التي نحياها.

  • كاتبة تونسية مقيمة في لندن

شاهد أيضاً

صفقات .. وصفعات

بقلم : فهمى عنبه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ** كان من الطبيعي جداً ألا يتأخر الرئيس الامريكي دونالد …