الإثنين , 18 ديسمبر 2017

سياحة الخراب !!

بقلم : ميموزا العراوي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لوحة تمثل، باختصار شديد، تعاقب الأجيال، علّق الصديق قائلا “هل تعتقدين ذلك فعلا؟ خيار وقدر؟ أم فقط خيار؟”، أجبته “نحن نختار قدرنا”.

قدرنا أن نتناسل فنموت، اخترنا كمخلوقات عاقلة العنف ورفض الآخر تحت ألف ستار وستار مُطيّب بالنيات الحسنة، يكفي النظر إلى العالم من حولنا لنرى فداحة “العمل الفني” المُشترك الذي شيّدناه على مدى الآلاف من السنين، وتهنا أمامه كسوّاح أمام الخراب.

مأساة مزدوجة تلك التي يلتحم فيها القدر مع الخيار، مثلما فعل في لوحات الفنان غوستاف كليمت.

كنت أود لو كان هناك مُتسع من المجال لكي أستطرد قائلة ومُنطلقة بالتحديد من لوحات كليمت المُزخرفة والملونة والمُذهبة بنساء وأطفال وعشاق، كي أقول للصديق الفيسبوكي بأن جميع لوحات غوستاف كليمت مسكونة بهاجس الموت قدرا وخيارا. قدر عبّر الفنان عنه بهيئات مُكتملة الملامح ومُجسدة بهياكل عظمية تلقي بظلها وبتهديدها المتواصل على سائر مكونات اللوحات من شخوص وأماكن، وخيار عندما يصوغ الموت ببلاغة فنية من ضمن فكرة التناسل بشكل عام والحسيّة/الإيروتيكية بشكل خاص.

لا توجد لوحة تخرج من هذه المُعادلة، وإن وجدت هكذا لوحة فأغلب الظن أنها تنتمي إلى لوحاته الأولية التي لم تحمل بعد بصماته الخاصة، غير أنه ليس هذا ما دفعني فقط على كتابة هذا التعليق على اللوحة، فنحن كبشر نعيش فصول هذا القدر الذي اخترناه، لعله الخيار الوحيد الذي تشاركنا فيه تاريخيا ولا زلنا، هناك متاحف في العالم وجدت لتؤرخ “خيار الموت”، كل من وجهة نظره الخاصة.

وأود أن أذكر هنا بشكل خاص بعمل تجهيزيّ معاصر (لا بل، لا حدود زمنية وجغرافية له) أقامته الفنانة الأميركية تارين سيمون.

جاء العمل التجهيزي من ناحية تكريما للوحة الفنان الروسي كازيمير مالفيتش التي تمثل مربعا أسود يحيط به مربع أبيض، وجاء من ناحية أخرى صدى لكارثة تشيرنوبيل النووية التي حدثت منذ ثلاثين عاما.

نفذت الفنانة هذا العمل الذي يحمل عنوان “مربع أسود” تيمنا بلوحة مالفيتش التي أنجزها سنة 1919 بالتعاون مع المركز الروسي الرسمي للطاقة الذرية، العمل باختصار قام على وضع مخلفات ذرية قاتلة في ما يشبه مُجمّع معزول ومُدعم ومُغلق بإحكام، بحيث يمنع أي أدنى تسربات، ثم تم إدخاله إلى غرفة خاصة في مكان يبعد 72 كيلوميترا عن موسكو ومخصص لتلقي النفايات النووية.

“العمل” لن يراه أي بشري قبل 999 سنة، سيدفن هناك حتى تخفّ إشعاعاته وتزول مخاطرها، حينها سينقل إلى متحف “غاراج موسيوم أوف كونتبوروي آرت”، حيث خصّص له مُقعّر خاص بشكل مربع مُعتم في الجدار وبقربه لوح كتبت عليه تفاصيل إنشاء العمل.

يمكن لزائري هذا المتحف رؤية هذا الحيّز في أي وقت كان، باعتباره عملا فنيا يعبّر عن الخراب، خراب ينتظر اكتماله حتى يستحقق بالتمام زيارة سياحية مُتكاملة.

لعل أجمل ما في هذا العمل، إن كان بالإمكان التحدث عن جمالية ما، هو أنه سيتم ومنفذته قد توفيت، أو قد لا يتم إلاّ بعد زوال المتحف لسبب من الأسباب، أقصى التكهنات أن ينتهي العالم قبل أن “ينضج” المربع الأسود الذي هو بالمطلق حصيلة خيار بشري مُشترك.

تقول الفنانة عن هذا العمل “إنه للجميع وهو ليس لأحد، وهو يعيش في عالم مليء بالمجهولات”، أما الفنان كازيمير مالفيتش فقد سبقها بأشواط في توضيحه لمعنى عمله الذي يحمل نفس العنوان والذي أنجزه قبل أكثر من قرن، قال “إنه نهاية كل شيء، الفن والإنسانية”.

*ناقدة لبنانية

 

شاهد أيضاً

صفقات .. وصفعات

بقلم : فهمى عنبه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ** كان من الطبيعي جداً ألا يتأخر الرئيس الامريكي دونالد …