الإثنين , 20 نوفمبر 2017

درس المقاطعة

بقلم : حلمى النمنم

وزير الثقافة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شكا وزير خارجية قطر. يوم الاثنين أمام مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة. مما اطلق عليه “الاجراءات والعقوبات الجماعية من الدول الاربع تجاه دولة قطر” وقال انهم يتطلعون إلي ان يكون للمجلس دور في “حث الدول الاربع علي التراجع عن هذه الاجراءات التي أثرت علي الشعب “القطري.
وقد تحدث الرئيس الامريكي “ترامب” في هذا الامر. اثناء استقباله لامير الكويت في البيت الابيض مطلع هذا الاسبوع وتحدث فيه ايضاً وزير خارجية روسيا “لافروف” وحيث ان الدول الاربع. وهي مصر والسعودية والامارات والبحرين اعلنت بوضوح تام انه ليس من بين أهدافها التدخل العسكري في قطر. ولا تغيير نظام الحكم هناك فإن الدول الكبري سوف تترك الملف ليحل داخلياً أي بين الدول الاربع وقطر.
ليست هذه أول مرة التي يشكو فيها مسئول قطري من اجراءات الدول الاربع والواضح انها تحدث اثراً داخل المجتمع القطري ومن المهم ان نتوقف امام هذه الازمة ليس للاسباب التي دفعت الدول الاربع دفعاً إلي الاقدام علي خطوة لم تكن تتمناها ذلك ان قطر تورطت تورطاً مباشراً في دعم الارهاب وتقديم الحماية لعدد من الارهابيين الذين هددوا عدة دول هذا الجانب بالكثير من تفاصيله بات معروفاً ومعلناً للكافة.
الاهم في هذا الملف ان عدم تحمل قطر لتلك الاجراءات يجعلنا نفكر ونتساءل عن مصدر قوة الدولة وتماسكها وما هي المعايير والاعتبارات التي بمقتضاها يمكن ان نعتبر دولة ما قوية وثابتة؟!. ذلك ان بعضنا تحت وطأة الظروف الاقتصادية في السنوات والعقود الاخيرة جعلهم يتصورون ان الدولة ما هي إلا فائض مالي وأرصدة في البنوك واحتياطي مرتفع من النقد الاجنبي ومطاعم دولية فاخرة وهبات مالية تمنح هنا وهناك ومن اسف ان هذا التصور والفهم انتقل إلي الافراد وبات منا من يتصور ان قيمة الفرد في الحياة والمجتمع بما يملكه من رصيد مالي في البنك أو “تحت البلاطة” وكأن ذلك هو مصدر مشروعية الانسان الوحيد ولعل هذا التصور الساذج هو ما دفع البعض إلي الوقوع في فخ وبراثن الفساد المالي والاخلاقي رغم عدم وجود أي مبرر للفساد وربما يكون السبب الذي جعل بلطجياً يقتحم بيت اسرة مواطن بالتجمع الخامس ولما خضع للتحقيق امام النيابة العامة وأدرك حجم الجرائم التي ارتكبها راح يعرض علي من اعتدي عليه مبلغاً كبيراً ليتنازل الرجل ويبتلع كرامته وكبرياءه هو وأفراد اسرته لو ان الافراد يقدرون بما يمتلكون من ارصدة مالية فقط ما تذكر أحد “فان جوخ” واينشتين ونيوتن وشكسبير وديستوفيسكي وطه حسين والعقاد والمازني ومشرفة وغيرهم.
والحق أننا نحن كمصريين ينبغي لنا ان نكون آخر من يقول بذلك فقد دخلنا حرب اكتوبر. سنة 1973 وحققنا انتصاراً عسكرياً كبيراً وما لدينا من احتياطي للنقد الاجنبي كان يمكن ان ينفد في دقائق لو توسعنا في العمليات العسكرية أو لو ان المعركة سارت علي غير ما خططت له القيادة ونحن منذ ثورة 30 يونيه العظيمة مورست علينا ضغوط اقتصادية شديدة وتصور بعضهم ان هذه الضغوط والتضييق الاقتصادي علينا سوف يسقط الدولة أرضاً فإذا بها بقيادة كفؤة تتجاوز الازمة وتزداد تماسكاً وقوة لو ان الدولة بفائضها المالي ربما ما كانت الولايات المتحدة هي أقوي دولة في عالمنا وما كانت روسيا بهذا الدور الذي تمارسه في العالم و.. و
نحتاج في هذا السياق ان نتذكر قصة قرأناها ونحن صغار في المدرسة بكتاب المطالعة تتعلق بتاجر غني خرج في سفر إلي الصحراء ومعه الكثير من الاموال والذهب وتصور ان هذا كل ما يحتاجه في رحلته وانه يكفيه وتملكه الغرور فتعرض للعطش الشديد ولما لم يجد الماء ذهب إلي اعرابي وعرض عليه كل ما يملك من مال مقابل شربة ماء.
هذه الحكاية ليست علي المستوي الفردي والتعليمي فقط للتلاميذ يجب ان تتذكرها الدول أيضاً وأن تعمل بها فلا تقام الدول بالمال فقط وإلا ما كان هناك وجود لفرنسا وبريطانيا فور نهاية الحرب العالمية الثانية.
بالتأكيد تبني الدول بالاقتصاد القوي وتوفر فائضاً مالياً يجعل الدولة تخطط بارتياح وتحلم في مجال العمل علي الارض وتقديم الخدمات للمواطنين وتوفير احتياجاتهم الاساسية فلا أحد يحبذ الفقر ويعشق الاحتياج وقطر- كما نعرف- لا تعاني من نقص المال ولا الاحتياطي الاجنبي الواقع ان مشكلتها قد تكون في توفر المال والفائض النقدي.
الذي تم استغلاله في إثارة الشغب داخل عدة دول ومجتمعات بالمنطقة وقد عانينا- نحن- في مصر من ذلك.
الدولة مجموعة مقومات وعناصر يجب ان تكون معروفة ويدرك القائمون عليها جوانب القوة وعوامل الضعف مثل الموقع الجغرافي وقدرة الدولة علي ان يكون لديها عناصر الانتاج واستمرار الحياة التي تمكنها من مواجهة أي ضغوط تتعرض لها وكثير من الدول فرض عليها الحصار أو المقاطعة احياناً بقرارات من الامم المتحدة أو من دولة تجاه أخري أو حتي من مجموعة دول روسيا تعرضت لحصار ومقاطعة من الولايات المتحدة وغيرها وغيرها نحن في مصر بعد توقيع الرئيس السادات معاهدة السلام من اسرائيل تعرضنا لمقاطعة اشد وأكثر اتساعاً استمرت حوالي عشر سنوات تحملها المصريون ببسالة وتحملتها الدولة المصرية ويبدو ان قطر لم تكن تتوقع حدوث ما حدث ولا كانت مهيأة له.
من الناحية المعنوية وهيبة الدولة فإن قرار الدول الاربع كسر مهابة الدولة القطرية وبدلاً من ان كانت تفرض شروطها في أمور عديدة وتتدخل هنا وهناك إذا بها تستنجد بالولايات المتحدة حيناً. وبالغرب كله حيناً آخر وبالامم المتحدة للتدخل لرفع الحصار عنها باختصار حدث انكشاف حقيقي المشكلة ان تتصور دولة انه يمكنها بعنصر واحد ان تلعب دوراً يتجاوز حدودها وقدراتها وامكانياتها او انها يمكن عبر طابور خامس هنا أو عميل هناك ان تسقط دولة أو دول اخري الدور مرتبط بالرضا والقبول من الاخرين ان لم يكن بطلب مباشر او ضمني منهم وليس باقتحامهم ولا بالتطفل عليهم او التدخل في شئونهم وافساد شئونهم وحياتهم وقد اتهم كثير من القيادات الليبية دولة قطر بأنها فعلت ذلك معهم الدور يرتبط أيضاً بامكانيات تتجاوز حدود شراء الاعوان وتكوين المرتزقة هذا في أفضل الاحوال يليق بعصابة وليس بدولة.
ويتصور البعض ان الملعب في الفناء الخلفي لبعض الاجهزة الغربية ونيل رضاها يمكنها من القفز علي حقائق الامور وطبائع الاشياء كنا نتصور ان تجربة صدام حسين في غزو الكويت سنة 1990 تم استيعابها واصبحت دراساً عميقاً ومؤلماً للجميع في ان التدخل في شئون الدول الاخري وتصور امكانية العبث بهويتها وسلام مجتمعها وليس بالضرورة ان يكون التدخل غزواً عسكرياً واحتلالاً السعي إلي تغيير نظام الحكمو وتسليح الارهابيين تدخل ايضاً دعم الميليشيات تدخل فضلاً عن أنه دعم للارهابيين بل خلق له كذلك.
الدولة تعني نموذج ومثال فلسفي وسياسي وقادة حقيقون يقومون عليه وخبرة تاريخية متراكمة وانجاز حقيقي علي الارض فضلاً عن بعض المميزات المتفردة الخاصة بكل بلد اما ان تكون الدولة مجرد فائض مالي فهذا ما لايمكن ان يمر وأي تجاوز لحدود الدور الطبيعي يدفع بأصحابه إلي الهاوية وذلك كان خطأ صدام حسين القاتل ومعه القذافي.

شاهد أيضاً

الأفعى .. وعشبة ” جلجامش “

بقلم : حميد سعيد ــــــــــــــــــــــــــــــــــ قرأت أخيرا رواية ” في مديح الحب الأول” للروائي العراقي …