الجمعة , 22 فبراير 2019
الرئيسية / كُتّاب " مصرية نيوز " / حكايات ” سهر الليالى “

حكايات ” سهر الليالى “

بقلم : رابعة الختام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بكي بكاءً حارا لا يتناسب مع معطيات الموقف البتة، تطلب خلعا بعد أن هزمها حكم القضاء برفض دعواها لطلب الطلاق، تغتسل أمامنا نحن دائرة أقاربها ومعارفها الضيقة من ذنب أطفال معلقين بهذه الزيجة “الناجحة شكليا” مع فشل مضمونها وتفريغها من المشاعر، على حد وصفها الخجول!

في صمت لم تخدش قدسيتَه حتى النظرات اللائمةُ، شغلت العقول بما وراء الحدث، فهذه الشابة من الطبقة المتوسطة، لديها ما يكفيها لحياة كريمة بمعية زوج أمن له ميراثه الكبير دخلا يرتقي به إلى خانة “المستورين”. يقع الرجل بثروته إلى جانب دخله من عمله في مساحة فاصلة تعلو عن الطبقة المتوسطة قليلا، وتتعلق بذيل تصنيف الأثرياء، إلى هنا يبدو الأمر طبيعيا، لكن غير الطبيعي هو تبرير الزوجة لطلب الطلاق بأنه يعقب “مشاجرة على مصروف البيت”. ضحك الجميع بسخرية، فالمعنى في بطن الشاعر!

مشاجرة على ميزانية المنزل أودت بحياة رجل على أيدي زوجته، زوج يلقي بنفسه تحت عجلات القطار هربا من ملاحقة زوجته له بمصروفات الدراسة، كل هذه الأخبار وأكثر تطالعنا بها الصحف يوميا.

ميزانية المنزل هي “مصروف البيت” في العامية المصرية، معضلة الجميع، لا مناص من هذا، لكن الحقيقة أنه، دائما ما يصدر للعامة أن المصروف هو السبب الرئيسي وراء معظم المشكلات الزوجية والحقيقة أنه أصبح بمثابة ستار متأنق نتوارى خلفه، وأن العجز الجنسي والفشل في إسعاد الشريك هما اللاعب الأساسي وبطل كافة الحكايات، بيد أنه لا أحد يجرؤ على رفع الستار والدخول إلى كواليس المشهد القاتم، خاصة وأن لكل كالوس حالة شديدة الخصوصية تنضح بوجع مختلف.

يعد الحديث في الأمور الجنسية أو العلاقة الحميمة بين الزوجين أحد أخطر التابوهات لدى المصريين بكافة طبقاتهم الاجتماعية والثقافية ودرجاتهم العلمية، والعرب جميعا، فالفحولة العربية مضرب الأمثال دائما، ولا تقبل صورة مغايرة لها.

ما زال الرجل المصري يحمل لنفسه صورة قديمة من زمن الأبيض والأسود لسي السيد الآمر، الناهي، موقظ أحاسيس النساء، ونجم أحلامهن في المنام واليقظة. لذا يحرم على الزوجة الخوض في تفاصيل كهذه تعد شأنا داخليا لا يجوز البوح بأسراره حتى للمقربين ولو كانت والدتها ذاتها، وبالأحرى فالأمر أشد تعقيدا لدى الرجال، إذ يتصل الأمر برجولته في مجتمع يضع رجولة البعض أو أنوثتهن بين الأفخاذ!

وقد فطنت السينما إلى هذا وربما كشفت النقاب عن وجوده بتعرية الأمر في فيلم “سهر الليالي” حين سئل أحد الأزواج عن خلافه الأسري فأجاب بحسرة “خناقة على مصروف البيت”، على الرغم من كونه من الأثرياء، وزوجته سيدة مجتمع وازنة. والحقيقة أن زوجته طلبت الطلاق هربا من نمطيته في العلاقة الحميمة وعدم إظهار الحب والغزل اللائقين بها كامرأة شديدة الملاحة والأنوثة، وتتمتع بقدر عال من الجمال والأناقة.

تتابعت علينا الأخبار والدراسات والإحصائيات في رصد الظاهرة وتتبع مسارها، ولكن تظل الحلول عصية على التنفيذ، ففي بعض الأحيان يتم تقديم وعرض توصيات لا تسمن ولا تغني من جوع.

إحدى محاكم الأسرة المصرية قدمت دراسة تؤكد ارتفاع نسب الطلاق لتصل إلى 42 بالمئة من حديثي الزواج بسبب مشكلات جنسية. وبلغ عدد حالات الخلع ربع مليون حالة سنوية والمؤسف أن مئة بالمئة من حالات الطلاق أو الخلع قد تعرضت لعنف جنسي، منه ما أدى بالزوجة إلى تلقي علاج دوائي أو تدخل جراحي، وفق دراسة لعينات عشوائية رصدتها جهات مدنية وحكومية.

و55 بالمئة من الزوجات اللاتي لجئن إلى الطلاق والخلع، اشتكين من تقصير أزواجهم فى مهامهم الزوجية، بسبب يرجع للمداومة على تعاطي العقاقير المنشطة جنسيا مما أصابهم بالعجز، إلى جانب المواد المخدرة مما سبب آثارا جانبية على المدى الطويل، فيما شكا الأزواج من عواقب ختان الإناث وما خلفه من برود لتصل النسبة إلى سيدة واحدة من بين كل 10 نساء تدهورت حياتهن الزوجية وتحصلن على الطلاق لأنهن كن مختونات.

بيد أن تلك الأسر ارتضت لنفسها دفن رأسها في الرمال، عوض الاعتراف بالمشكلة وطلب العلاج، والغريب أن الرجل المطلق لهذا السبب يعطي بسخاء شراءً لصمت الزوجة، وفي حالة الخلع تسعى المرأة لإنهاء العلاقة بلا مطالب، غاضة البصر عن حقوقها المادية مقابل “الصوم عن الحقيقة”.

ومع تنامي ظاهرة العيب في المجتمع المصري خاصة في الأوساط الباقية على عهدها مع العادات والتقاليد، تظل مقولة مشاجرة على مصروف البيت هي مفتاح شفرة فشل العلاقات الحميمة، وغطاءً مستساغا للتخفي عن البوح بالفشل الجنسي.

  • منقول عن جريدة ” العرب ” اللندنية

شاهد أيضاً

” الغجرية ” .. والسبع بنات !!

حكايات بقلم : صلاح حامد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جلست تتفحصه بعينين سوداوين ، بريقهما كأنه السحر ، الذى …