الأحد , 21 يناير 2018
الرئيسية / كُتّاب " مصرية نيوز " / جيل فلسطيني جديد في مواجهة إسرائيل

جيل فلسطيني جديد في مواجهة إسرائيل

عبد العال الباقورى

بقلم : عبد العال الباقورى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد القرار الجائر ضد مدينة القدس. الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. في السادس من ديسمبر الماضي خرج الإسرائيليون يرددون أحد اتهاماتهم الباطلة ضد الشعب الفلسطيني. زاعمين انه يضيع الفرص التي تعرض عليه.. وقبل أن ينتهي الشهر نفسه. كتب صحفي إسرائيلي منصف هو “جدعون ليفي” مقالاً أكد فيه ان إسرائيل هي التي تضيع الفرص حالياً لتحقيق تسوية.. وبني حكمه هذا علي مقارنة بين مواقف جيل الشباب الفلسطيني وجيل الشيوخ. وذلك بعد أن شهد مناظرة في استراليا بين دبلوماسي فلسطيني مخضرم ونجم فلسطيني لامع.. وتاريخ نشر المقال 28 أكتوبر الماضي في صحيفة “هآرتس” وفي اليوم نفسه كان العنوان الرئيسي في صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن بيان 63 فتي وفتاة قبل سن الخدمة العسكرية علي تجنيدهم للجيش احتجاجاً علي الاحتلال وقمع الشعب الفلسطيني.
وفي اليوم التالي الجمعة 29 ديسمبر نشرت “هآرتس” مقالاً مدوياً كتبه المواطن الفلسطيني باسم التميمي والد الفتاة المناضلة عهد التميمي التي توجه لها إسرائيل الاتهام بارتكاب جرائم تكاد تعادل سنوات سنها. وكان عنوان المقال هو: “يا ابنتي هذه دموع النضال”.
ثلاث وقائع هي: ندوة في استراليا ومقالان في داخل الكيان الإسرائيلي نفسه وعلي صفحات صحفه تترابط وتتشابك لتكشف من الذي يضيع الفرص حقا!.. وهي ثلاث وقائع تستحق أن تروي كاملة كما كتبت ولا يكفي فيها العرض والاجتزاء ولن تحتاج كل واحدة منها سوي إلي تعليق مركز.
لن نشارك في الاحتلال
أما رسالة الفتيان والفتيات الثلاثة والستين فقد بعثوا بها إلي رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع ووزير التعليم العالي ورئيس أركان الجيش وقالوا فيها: “الجيش يخرج إلي حيز التنفيذ سياسة حكومة عنصرية. تنتهك حقوق الانسان الأساسية وتفرض قانونا للإسرائيليين وآخر للفلسطينيين في المنطفة نفسها.. وعليه فقد قررنا ألا نشارك في الاحتلال وفي قمع الشعب الفلسطيني. الاحتلال الذي يفصل الناس إلي معسكرين متعاديين. منذ 50 سنة والوضع المؤقت يتواصل ولن نواصل الإسهام في هذا”.. ويوجه المحتجون اصبع الاتهام إلي حكومة إسرائيل لانشغالها عملياً بتحريض المجتمع الإسرائيلي علي الفلسطينيين وعلي “عرب إسرائيل” ويلمحون إلي تصريح “إفيجدور ليبرمان” وزير الدفاع ضد “عرب إسرائيل” بعد اعتراف ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل “شعب كامل يوجد تحت تحريض مؤطر وموجه ضد الفلسطينيين الذين علي جانبي الخط الأخضر ونحن هنا شباب وشابات في حوالي سن التجنيد في مناطق مختلفة في البلاد ومن خلفيات مختلفة اجتماعيا نرفض تصديق منظومة التحريض والمشاركة في ذراع القمع والاحتلال للحكومة”.
وتشير “يديعوت احرونوت” إلي أن موقعي هذه المبادرة تلقوا مشورة من موقعي كتب الرفض السابقة.. ومن المعروف ان هذه المبادرة الاحتجاجية ليست الأولي من نوعها. وترجع أهميتها إلي ظروف إصدارها خاصة وقد مضي وقت طويل نسبيا علي آخر موجة احتجاج من شباب ضد الاحتلال وتنقل الصحيفة عن أحد الموقعين علي كتاب الاحتجاج قوله انه لا يخشي الهجمة الجماهيرية بسبب توقيعه “هذه خطوة ليست تافهة. إن نشر هذا الكتاب أهم بكثير من الرد الذي أتوقع أن أتلقاه من أناس يصعب عليهم سماع هذه الآراء”.
ويدعو هؤلاء الرافضون باقي الشباب في إسرائيل للنظر مجدداً في التجنيد للجيش الإسرائيلي ويقولون: “انطلاقاً من الالتزام بقيم السلام ومن المعرفة بوجود واقع آخر يمكننا ان نخلقه معا. سنرفض الخدمة في الجيش. وندعو أبناء جيلنا لأن يسألوا أنفسهم: هل الخدمة العسكرية تعمل فعلاً من أجل خلق هذا الواقع” وتختتم الصحيفة الإسرائيلية هذا الخبر بقولها: “في نية الشبان أن يصلوا في الأسابيع القريبة المقبلة إلي عدة مراكز في إسرائيل في مسعي لجمع مزيد من توقيعات الشبان”.
مبادرة شبابية إسرائيلية هدفها رفض الاحتلال ومسعي لنشر الدعوة كل هذا يحتاج إلي متابعة عربية وإلي نظرة خاصة من مقاومي التطبيع ومعارضيه.
صوت الجيل المقبل
هذا صوت إسرائيلي يجب أن يؤخذ في الاعتبار عربيا. في الظروف الراهنة. كما يجب أن يؤخذ في الاعتبار صوت فلسطيني صاعد تحدث عنه الصحفي الإسرائيلي “جدعون ليفي” بعد أن رأيت لمحات عنه علي “تويتر” كتب ليفي: في قاعة المحاضرات في جامعة اولايد في استراليا قبل نحو شهر.. نقاش عام بين الدبلوماسي المخضرم عفيف صافية والنجم الفلسطيني اللامع علي أبونعمة. من مؤسسي موقع “الانتفاضة الالكترونية” الأجواء ملبدة ومتوترة جداً. مواجهة فكرية عنيفة فلسطينية- فلسطينية. مع وضد السلطة الفلسطينية. دولة واحدة أو دولتان. مقاطعة إسرائيل أم لا. مواجهة شخصية ومواجهة ممتعة. النقاش أظهر علي السطح ما يغلي في أوساط فلسطينية واسعة. في الأراضي المحتلة وفي الشتات ومن المخجل التفكير في أنه في المجتمع الإسرائيلي لم يبدأوا حتي في إجراء نقاشات مشابهة. وهو الأمر المطلوب حاليا هذا ما كتبه “ليفي” وانتقل منه إلي التعريف بطرفي الحوار: عفيف صافية دبلوماسي فلسطيني عمل في موسكو وواشنطن ولندن وهو عضو المجلس الثوري لحركة فتح وكان مقربا من ياسر عرفات ويعيش حالياً كشخص عادي في لندن مع زوجته البلجيكية أما أبونعمة فهو مولود في أمريكا ويعيش فيها وكان مقربا من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ويكثر من الظهور في وسائل الإعلام العالمية.
أبونعمة اتهم صافية وأبناء جيله بالانهزامية أمام إسرائيل صافية اختنق تقريبا من الغضب.. أبونعمة يتحدث عبر الفيديو من شيكاغو في ساعات الليل المتأخرة.. صافية كان علي المنصة في أولايد يكاد ينفجر من الغضب.. ويرفع نظره من حين إلي آخر إلي الشاشة الالكترونية الموجودة فوق رأسه وهو يعرف أن الشخص الذي يظهر علي الشاشة يمثل الجيل المقبل.. أما جيل صافية فهو غير مستعد لاخلاء المنصة له.. 21 سنة تفصل بينهما.. سنوات من الاحباط واليأس كلاهما يعيشان في المنفي.. أنيقان ومثقفان ويحسنان الحديث إلي وسائل الإعلام وتفصل بينهما هوة عميقة.. صافية من الدبلوماسية القديمة وأبونعمة من الشبكات الاجتماعية جيله يضع أمام إسرائيل تحديات أكثر صعوبة.. ماذا قال كل منهما؟
يروي: أبونعمة قال إذا طلبنا القليل فلن نحصل علي شيء.. وصافية قال: إسرائيل قوية جداً. ولا يمكننا تحقيق مطالب كبيرة. لذلك يجب علينا أن نكون منطقيين وأن نناضل لتحقيق الممكن.. وقال إن جيله بدأ بفكرة الدولة الواحدة التي تخلي عنها فيما بعد “نحن لا ننجح في الوصول إلي دولتين فكيف سنحقق الدولة الواحدة”؟ قال صافية لأبونعمة والاحتقار المتبادل واضح بينهما.. وتعليقاً علي هذا الحوار يقول ليفي: “كانت تلك مواجهة بين السياسي الواقعي من الجيل السابق وبين ثورية ورثته. بين الحداثة والنضال الالكتروني وبين رسائل الدبلوماسية والعالم القديم. بين المصالحة مع إسرائيل “التي لم تتحقق” وبين عدم الاستعداد للتنازل عن أي شيء والنضال المصمم الذي من المشكوك فيه أن يؤدي إلي نتائج في المستقبل القريب.. لكنه علي الأقل يبث روحاً جديدة.
وعند تقديره لنتائج الحوار الفلسطيني بين جيلين يقول الصحفي الإسرائيلي: “صافية متحدث ممتاز باسم شعبه. لكن النقاش أظهر الإفلاس الفكري الكامل للسلطة الفلسطينية التي يمثلها. فليس لديها ما تطرحه علي شعبها خمسون سنة من الاحتلال وعدم تحقيق أي شيء فترة مناسبة لمناقشة “أين اخطأنا وما السوء الذي ارتكبناه وتبني استراتيجية جديدة”.
وبعد جملتين متضاربتين ولذلك تم تخطيهما يخلص “جدعون ليفي” إلي القول: “يجب علي الإسرائيليين أن يصغوا إلي الأصوات الجديدة التي ستزداد وتتعاظم.. أبونعمة ليس مخرباً وإرهابياً.. وصافية أيضا كما هو معروف.. ولكن أبونعمة لن يتنازل لإسرائيل مثلما كان صافية مستعداً للقيام به ويريده.. أبونعمة يريد دولة واحدة وحق العودة والـ.بي.دي.اس “أي المقاطعة” ونهاية الصهيونية والعنصرية وفي الحرم الجامعي في الولايات المتحدة يصغون إليه أكثر مما يصغون إلي صافية.. القطار الفلسطيني القديم وصل إلي نهاية طريقه. “عندها خط من خطي السكة يهمس للآخر: الملك مات ليعش الملك الجديد.. سنري ماذا ستفعل إسرائيل أمامه”.. ولكن إذا كانت إسرائيل لا تستجيب لنداء أبنائها في داخلها فهل تستجيب لنداء عدوها من خارجها؟
عهد ودموع النضال
مراعاة للمساحة وجب تخطي سطور من مقال باسم التميمي والد الفتاة عهد في مقاله في “هآرتس” لنبدأ بقوله: قبل بضعة أشهر أثناء زيارة في جنوب أفريقيا عرضنا أمام الجمهور فيديو يوثق نضال قريتنا النبي صالح “في الضفة الغربية المحتلة” ضد النظام الإسرائيلي المفروض.
عندما تم إشعال الأضواء وقفت “عهد” من أجل شكر الحضور علي دعمهم وعندما شاهدت الدموع في عيون عدد من الحضور توجهت إليهم وقالت: “صحيح أننا ضحايا للاحتلال الإسرائيلي. لكن لا يقل عن ذلك أننا نفخر باختيارنا للنضال رغم الثمن المعروف مقدماً.. لقد عرفنا إلي أين يؤدي بنا هذا الطريق. لكن هويتنا كأفراد مغروسة في النضال. ومن هنا ننهل.. زيادة علي المعاناة والقمع اليومي للمعتقلين والمصابين والشهداء. فنحن نعرف أيضاً القوة الكبيرة للانتماء إلي حركة المقاومة. الإخلاص. المحبة. ولحظات التسامي الصغيرة التي تنبع من اختيارنا لتحطيم الجدران الشفافة للسلبية.
“لا أريد أن اعتبر ضحية. ولن أعطي لأفعالهم القوة في تحديد من أنا وماذا سأكون.. أنا أختار أن أشكل بنفسي الطريقة التي سترونني فيها.. نحن لا نريد أن تدعمونا من أجل بضع دمعات رقيقة. بل لأننا اخترنا النضال ونضالنا عادل.. وبهذا الشكل فقط. سننجح ذات يوم في التوقف عن البكاء”.
بعد أشهر مما حدث في جنوب أفريقيا تحدث عهد الجنود المسلحين من قمة الرأس حتي أخمص القدم. لم يحركها الغضب الآني علي الجرح الشديد لمحمد التميمي “15 سنة” قبل وقت قصير من ذلك وعلي بعد أمتار من هناك. هو الذي حركها.. وليست الإثارة والتحريض الكامن في دخول الجنود إلي بيتنا. هؤلاء الجنود أو غيرهم أو من يشبهونهم بالعمل والوظيفة هم ضيوف غير مدعومين في بيتنا منذ ولادة عهد.. لا. لقد وقفت أمامهم لأن هذا هو طريقنا. لأن الحرية لا تعطي كصدقة. ولأن ثمنها باهظ. ورغم ثمنها الباهظ نحن علي استعداد لدفعه.. ابنتي ابنة السادسة عشرة سنة. في عالم آخر وفي عالمكم كانت حياتها ستكون مختلفة تماما.. في عالمنا عهد هي ممثلة الجيل الجديد لأبناء شعبنا. مقاتلي الحرية الشباب. هذا الجيل اضطر إلي إدارة نضاله في جبهتين. من جهة مفروض عليه كماهو معروف واجب مواصلة التحدي والنضال ضد الكولونيالية الإسرائيلية التي ولدوا داخلها. إلي حين انهيارها.. ومن جهة أخري. هم مضطرون إلي التشدد في مواقفهم أمام التحلل والجمود السياسي الذي تفشي فينا.. عليهم ان يبثوا الحياة في العروق من أجل ان تنبعث ثورتنا من الموت المرتبط بثقافة سلبية آخذة بالازدياد والمغروسة في عقود من انعدام العمل السياسي.
عهد هي واحدة من فتيات كثيرات التي ستقود في السنوات القريبة المقاومة ضد الحكم الإسرائيلي.. هي لا تهتم بالأضواء الموجهة إليها حالياً في أعقاب اعتقالها. بل بتغيير حقيقي للواقع.. هي ليست نتاج أحد الأحزاب أو الحركات القديمة. وبأعمالها هي ترسل رسالة: من أجل أن نبقي. علينا أن نناضل بصدق ضد ضعفنا وهزيمة خوفنا.
في هذا الوضع. الواجب الأكبر لي ولأبناء جيلي هو دعمها وإخلاء الطريق. وضبط النفس وألا نحاول إفساد أو سجن أبناء الجيل الشاب هذا في ثقافة قديمة وايديولوجيات ترعرعنا فيها.
عهد. لا يوجد والد في العالم يتمني أن يري ابنته تقضي أيامها في زنزانة الاعتقال. رغم ذلك. عهد. ليس هناك في كل العالم اليوم شخص فخور بابنته أكثر مني.. أنت وأبناء جيلك شجعان بما يكفي من أجل الانتصار أخيراً. أفعالك وشجاعتك تملأ قلبي يالخوف وتملأ عيني بالدموع. لكن كما طلبت هذه ليست دموع الحزن أو الندم بل هي دموع النضال.
***
نقرأ رسالة الأب إلي عهد. ونقارنها مع شاب آخر من فلسطين ولكنه يعيش بعيداً في أمريكا.. ونقرأ النص الكامل لرسالة الاحتجاج الإسرائيلية “منشور هذا النص علي موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية” ونتطلع إلي المستقبل يحدونا صوت هادر: فلسطين يحمي حماك الشباب.. وإسلمي يا مصر.

شاهد أيضاً

محمد أبو الحديد

شهادة نجاح

بقلم : محمد أبو الحديد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   تربطني بالزميلين العزيزين سعد سليم رئيس مجلس الإدارة. …