الجمعة , 27 أبريل 2018

المهمة .. الصعبة

محمد أبو الحديد

بقلم : محمد أبو الحديد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مضت سنوات الفترة الأولي من رئاسة الرئيس السيسي لمصر كالبرق.. أربع سنوات ليست زمنًا كبيرًا في عمر الشعوب. رغم أنها حفلت ــ بالنسبة لنا ــ بعشرات الأحداث الكبيرة. والانجازات العملاقة.
كل يوم من السنوات الأربع. ترك علامة في حياة الوطن والمواطنين.. حجر جديد في بناء يعلو.. رصاصة في قلب إرهاب.. دمعة علي شهيد في أشرف ميدان.. ابتسامة علي وجه مسن ربتت الدولة علي كتفه بمعاش ولم يكن يملك قبله شيئا.. حضور اقليمي وعالمي غير مسبوق في كل المحافل. ونظرة تفاؤل وأمل في كل العيون. تحلم بغد أفضل.
برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري كان العنوان الأكبر والأشمل للسنوات الأربع المنقضية.. كان المانشيت الرئيسي للصفحة الأولي من صحيفة هذه السنوات.
لم يكن مجرد برنامج إصلاح.. كان هزيمة للتردد. ونسفا لجدار الخوف الذي حال بين حكومات سابقة وبين الاقتراب من أصنام صنعناها بأيدينا وعبدناها علي مدي عقود طويلة.. كان اقتحاما جريئا وحاسما لانقاذ اقتصاد يصارع الجمود. ويقترب من دخول غرفة الانعاش.
كان البرنامج. والارادة السياسية الصارمة لتنفيذه. في حد ذاتهما من معركة كبري تحولت إلي ملحمة وطنية بتقبل المصريين لتبعات البرنامج. وتحملهم لأعباء الإصلاح بادراك كامل أن هذا هو الخيار الوحيد للتقدم.
الإصلاح الاقتصادي ليس برنامجًا له بداية وله نهاية.. انه عملية ديناميكية مستمرة لا تتوقف من أجل خلق واعادة بناء اقتصاد انتاجي وخدمي متنوع. نشط. مرن. قادر علي الابتكار والمنافسة علي المستوي العالمي. ولديه آليات تضمن وصول ثماره إلي كل بقعة وكل مواطن علي أرض مصر.
مضي شوط من مباراة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد. وبقي شوط آخر.. وقد يحتاج الأمر إلي وقت اضافي لتحقيق النتائج المتفق عليها علي الأقل.
نحن ننفذ الإصلاح الاقتصادي في أصعب ظروف موضوعية يمكن ان ينجح فيها برنامج بهذا الطموح.. ننفذه في مجتمع يعاني من تدهور الانتاجية. ومن ضعف معدلات الادخار. وريبة الاستثمار. ومن أمية مازالت تضرب ما يقارب ثلث السكان. فضلا عن انتشار الفقر وتراجع دخول الأفراد. بما يضعف من قدرتهم علي احتمال أية أعباء مادية اضافية. وهم مازالوا يعيشون تحت خط الفقر الذي يحرمهم من الحد الأدني من احتياجاتهم الحياتية.
نحن ننفذ الإصلاح الاقتصادي. في نفس الوقت الذي نخوض معركة شرسة ومكلفة ماليا وبشريا ضد الإرهاب بصورة تكاد تكون يومية. وهو ثمن ندفعه لتأمين الوطن والمواطن وحماية الانجازات والمكتسبات. وإن كان هذا الثمن يتم خصما من قدرة الدولة علي تمويل مشروعاتها الانتاجية والخدمية وتحسين حياة ومعيشة مواطنيها بشكل أكبر.
نحن ننفذ الإصلاح الاقتصادي. ونريده ان ينطلق باقتصادنا إلي المستقبل بسرعة الطائرة. أو بسرعة الصاروخ إن أمكن. بينما هو فاقد لجناحين قويين يحلق بهما ولو بسرعة طائر.
الجناحان اللذان أعنيهما هما: الإصلاح السياسي.. والإصلاح الإداري.
نحن فعلا. في مصر. نعيش اشكالية كبري تحتاج أن تجتمع ارادتنا علي التفكير في حلها والخروج من مأزقها في المرحلة القادمة.
ان ما تبقي من برنامج الإصلاح الاقتصادي من المفترض أن يضيف أعباء مالية جديدة. من رفع أسعار مواد ومنتجات ضرورية وخلافه. إلي مواطنين لم يعد أغلبهم قادرا علي الحياة الكريمة في ظل أعبائه الحالية.. وهذه الأعباء الجديدة شبه إلزامية حتي لو تم تنفيذها بمرونة موضوعية. أو زمنية.
ولكي يصبح المواطن مهيأ لتقبل هذه الأعباء الاضافية. من الضروري أن يجد من ثمار ما تحمله في السنوات الأربع المنقضية ما يعينه علي تحمل هذه الأعباء. دون السقوط في بئر الفساد الوظيفي أو الأخلاقي نتيجة اتساع الفجوة ما بين دخله واحتياجاته وعجزه عن تغطيتها بموارد مشروعة. ونكون بذلك قد حققنا إصلاحًا اقتصاديًا بفساد إداري وأخلاقي يقضيان في النهاية عليه.
لكن الثمار قد تصل ضعيفة. وقد تصل متأخرة.. وقد لا تصل إلي مستحقيها بسب ان الجهاز الإداري للدولة. الذي من المفروض أن يكون قائد هذا الإصلاح الاقتصادي وقاطرته. جهاز عفن. مترهل. معاق ومعوق. وحارت في أمره كل محاولات الإصلاح. بل كل محاولات “الثورة”.
هذا الجهاز البيروقراطي العتيق قادر علي “تعطيل المراكب السايرة” كما يقول المثل. وحجب أي ثمار للإصلاح والتنمية عن مستحقيها.
ورغم أن البيروقراطية هي سمة الأجهزة الإدارية في كل الدول بما فيها المتقدمة.. بل وفي هيئات التمويل الدولية نفسها التي تطالبنا بمحاربة البيروقراطية. مثل البنك الدولي وصندوق النقد. فإنها عندنا ليست مجرد “سمة”. بل هي تاريخ وفلسفة وثقافة.
الإصلاح الإداري هو أحد شروط نجاح الإصلاح الاقتصادي. وأحد ضمانات وصول ثمار هذا الإصلاح إلي المستهدفين بها. وهو أمر سيحتاج جراحة كبيرة وسيلقي مقاومة عنيفة ولن تجدي معه الحلول الوسط لكنه في النهاية “خير لابد منه”.
الإصلاح السياسي أيضا ضرورة حتمية. فلا اقتصاد ينجح في مجتمع لا تعمل فيه السياسة وينشط أهلها.
وإذا كان الإصلاح الاقتصادي يلقي بأعبائه علي المواطن.. وقد تقبل المواطن ذلك وتحمله.. فإن الإصلاح السياسي يلقي بأعبائه علي الدولة. وواجبها أن تتقبل أيضا وتتحمل.
ان ما يخفف عن المواطن شعوره بثقل أعباء الإصلاح الاقتصادي. أن يشعر بحريته. وكرامته. وأنه يعيش في مجتمع يتساوي فيه الجميع. وتحترم فيه حقوق الإنسان. وهذه مسئولية تتحملها الدولة بالدرجة الأولي. ولا تتطلب أكثر من الالتزام نصا وروحا. بكل المبادئ والمواد التي تضمنها دستور الدولة.
لقد تلقي المواطن جرعات عديدة من أعباء الإصلاح الاقتصادي. وآن له أن يتطلع إلي جرعات. ولو أقل من الإصلاح السياسي خاصة الأحزاب.
الإصلاح السياسي مثل الإداري ليس ترفا. ولا هو مسألة قابلة للتأجيل. بل هو ضرورة لنجاح الإصلاح الاقتصادي وهزيمة الإرهاب. وضمان لحماية كل ما تحقق وما سيتحقق من منجزات.. انها مهمة صعبة.. لكنها ليست مستحيلة.
وللحديث بقية.. 

شاهد أيضاً

ازرعوا الأمل .. تمسكوا بالحلم العربي

بقلم : فهمى عنبه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ** لسنا مع الذين يهاجمون مؤتمرات القمة العربية.. ويطالبون بالغائها …