الجمعة , 22 مارس 2019

الماء المر

بقلم : لبنى الحرباوى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ماذا فعلت..؟ ستمرضين!”

كلمات ترددت في الحديقة موجهة لابنتي التي لا يتجاوز عمرها سنتين ونصف السنة.

ووجدتني أسرع لأستفسر ماذا فعلت ابنتي، وسألت ماذا هناك هل هي بخير؟ وأجاب زوجي “لقد شربت ماء الصنبور”.

وانسحبت.. وأنا اسمعه يلقنها لمدة ربع ساعة أو يزيد درسها الأول في الحياة “ماء معدني نعم أشرب، ماء حنفية لا أشرب!!”

قفزت إلى ذهني صور طفولتي حين كنت أهرع مع أصدقائي، بعد أن يعيينا التعب، إلى حديقة منزلنا نشرب ماء صنبورها ونغطس في حوضها.

كان الماء حينها حلوا جدا، فلماذا أضحى مرا!

الحقيقة، كما قيل، لو كان للحياة وجه فوجهها سيكون الماء حتما فكما يتشكل الماء مع صفات ما يذوب فيه فإن الحياة تتشكل مع صفاتنا. نحن نشاهد ذواتنا وليست الحياة!

وكما اكتسب ماء الصنبور في سنوات قليلة طعما ورائحة كريهة بعض الشيء فقد خرجنا من مرحلة الطفولة النقية وغصنا في ضغوطات الحياة وتفاصيلها واكتسبنا قلقا وتعبا وصفات سلبية أخرى كثيرة.

كلكم أو جلكم على الأقل تعرفون هذا الإحساس: تستيقظون وأنتم تفكرون في كل ما ستفعلونه في هذا اليوم الذي يشبه اليوم الذي سبقه تشعرون كم أنكم مشغولون، لكن في خضم هذه المشاعر تحسون أن شيئا ما مفقود. وأنتم تحاولون معرفته، يبدأ اليوم التالي من جديد. ونجد أنفسنا كلنا في حلقة مفرغة. يتحرك العالم من حولنا بسرعة كبيرة. كيف يمكننا أن نستمر مع هذا؟ كيف نجد الكمال في عالم يتغير بأسرع ما يمكن حتى أن نفكر؟

شاهدت في يوم من الأيام أستاذا يلقي محاضرة عن التحكم بضغوط وأعباء الحياة. رفع كأساً من الماء وسأل المستمعين ما هو في اعتقادكم وزن هذا الكأس من الماء؟ وتراوحت الإجابات بين 50 غراما إلى 500 غرام فأجاب المحاضر: لا يهم الوزن المطلق لهذا الكأس، فالوزن هنا يعتمد على المدة التي أظل ممسكا فيها هذا الكأس فلو رفعته لمدة دقيقة لن يحدث شيء ولو حملته لمدة ساعة فسأشعر بألم في يدي، ولكن لو حملته لمدة يوم فستستدعون سيارة إسعاف.

يضيف المحاضر أن الكأس له نفس الوزن تماماً، ولكن كلما طالت مدة حملي له كلما زاد وزنه. فلو حملنا مشاكلنا وأعباء حياتنا في جميع الأوقات فسيأتي الوقت الذي لن نستطيع فيه المواصلة، فالأعباء سيتزايد ثقلها. فما يجب علينا فعله هو أن نضع الكأس ونرتاح قليلا قبل أن نرفعه مرة أخرى.

وهكذا يجب علينا أن نضع أعباءنا بين الحين والآخر لنتمكن من إعادة النشاط ومواصلة حملها مرة أخرى!

  • صحفية تونسية

شاهد أيضاً

” الغجرية ” .. والسبع بنات !!

حكايات بقلم : صلاح حامد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جلست تتفحصه بعينين سوداوين ، بريقهما كأنه السحر ، الذى …