الخميس , 20 سبتمبر 2018
الرئيسية / كُتّاب " مصرية نيوز " / الصحافة التى لن نعرفها أبداً!

الصحافة التى لن نعرفها أبداً!

بقلم : محمد على إبراهيم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصحافة ليست وظيفة.. ولا هى وجاهة اجتماعية.. وإنما هى مرآة الحقيقة لمَن يريد أن يعرفها.. وهى «نظارات» لسلطة نظرها ضعيف.. تخشى أن تلبسها حرصاً على جمال وجهها، الذى لا ترى تجاعيده وتشوهاته.. الصحفيون فى مبارزة دائمة مع السلطات سواء كانت ديمقراطية أو ديكتاتورية.. الصحفى الحقيقى أشبه بضابط مباحث شاطر يجمع الخيوط والدلائل ليقدمها فى استدلال منطقى لوكيل النيابة، الذى من المفروض أنه يمثل النائب العام، محامى الشعب.

من حق الشعب أن يعرف الحقيقة فى أى مكان بالعالم.. إذا منعنا الحقيقة بحجة حماية الأمن القومى، فإننا فى الواقع نهين عقول الشعب ونضلله.

هذا الأسبوع شاهدت الفيلم الأمريكى التحفة ذى بوست The Post، وهو عن الجريدة الأمريكية الشهيرة «ذى واشنطن بوست» وتنافسها مع غريمتها «النيويورك تايمز» على السبق فى المعلومات وتقديم الحقيقة للقارئ.. لم يكن التنافس على اتهام وزير بالفساد أو شحنة قمح مسرطنة أو دجاج غير صالح للاستهلاك الآدمى.. ولكنها كانت على أخطر موضوعين يمسان الأمن القومى الأمريكى.. حرب فيتنام وفضيحة ووتر جيت، التى أطاحت بالرئيس الأمريكى الأسبق، ريتشارد نيكسون، بعد تورطه فى التجسس على مقر الحزب الديمقراطى الذى كان ينافسه فى الانتخابات..

تخيل لو تهور صحفى ما فى مصر وكشف أسماء الـ250 متهماً فى القضية الخطيرة، التى أمر النائب العام الأسبق، هشام بركات، بحظر النشر فيها عام 2015.. لو نشر هذه الأسماء التى يشغل بعضها الآن مناصب مهمة أو أصبحوا من رجال الأعمال، بعد اتهامهم بالتخابر أو تلقى أموال من الخارج!، ماذا سيكون مصيره؟، طبعاً السجن!، لكن لن ينظر أحد إلى أنه يقدم الحقيقة ويميط اللثام عمن أفسدوا وأثروا ومَن حماهم وآزرهم وفتح لهم الأبواب.. قضية كهذه كفيلة بإلغاء مهنة الصحافة فى مصر كلها وتشريد الصحفيين ليبيعوا «لب وسودانى» أو «مناديل ورق» فى إشارات المرور..

الفيلم من بطولة توم هانكس وميريل ستريب، وهما من عمالقة السينما الأمريكية، وحصلا على عدة جوائز أوسكار.. المشهد يبدأ بهزيمة لجنود أمريكيين فى حرب فيتنام عام 1966، فى معركة أشبه بمذبحة راح فيها مئات.. المعركة شاهدها مندوب وزارة الدفاع الأمريكية، «يترفان»، الذى أوفده وزير الحربية وقتها، «ماكنمارا»، ليكتب تقريراً عن الخسائر، ولكن عندما يصل إلى أرض الوطن يحاصر الصحفيون الوزير ويسألونه عن التقرير فيكذب.. ويقلب الحقائق ويصور انتصارات لم تحدث.. لا إرادياً تتساءل بينك وبين نفسك: هل يمكن أن ترى هنا فيلماً حقيقياً عن ثغرة الدفرسوار بلا تهويل أو تهوين؟.. الفيلم يقول إن الكذب مارسه 5 رؤساء من «ترومان» إلى «أيزنهاور» و«كنيدى» و«جونسون» وصولاً لـ«نيكسون».. العرف السائد أنه لا أحد ينقد الهزائم العسكرية الأمريكية فى الحروب (من 1941 إلى 1969).. إنها الكرامة العسكرية التى تأبى الاعتراف بالخسائر وذريعة حماية الأمن القومى..

الفيلم يشير إلى أن الشفافية تغيب أيضاً فى أمريكا قلعة الديمقراطية والحرية.. ولولا شجاعة رئيس التحرير، بن برادلى، والناشرة، كاترين جراهام، لما عرف أحد الحقيقة.. الناشر يمثل رئيس مجلس الإدارة عندنا، وطوال الفيلم تشعر أنهما يتكاملان ويقفان فى خندق واحد.. لا يحاربان بعضهما البعض كما يحدث عندنا سعياً وراء مغانم أو بدلات سفر أو حظوة عند المسؤولين، ولكن الهدف الأسمى هو صالح الصحيفة..

قيمة أخرى يبرزها الفيلم، وهى أنها إذا كنا نعيب على حكوماتنا الشفافية والتعتيم، فإن الأجانب كذلك أيضاً.. لكن الذى يفرق صحيفة عن الأخرى هو كمية الشجاعة والجرأة التى يتحلى بها المسؤولون عنها.. الأهم أن هناك رأياً عاماً يؤازر الحرية.. رأياً ناضجاً لا يتهم أصحاب السبق الصحفى بأنهم عملاء وخونة ويسعون لتخريب البلد..

يقدم الفيلم تفكيراً جديداً أتمنى أن أجده فى مصر، وهو ابتكار زيادة ربحية الصحيفة إذا ما تعرضت لانتكاسة مالية أو تراجع فى المبيعات.. يشير الفيلم الوثائقى السياسى الصحفى إلى أن فترة السبعينيات شهدت تفوقاً لـ«النيويورك تايمز» على «الواشنطن بوست».. ثم تولت كاترين جراهام مسؤولية الناشر فى «البوست»، بعد انتحار زوجها، وهى لا تدرى شيئاً عن المهنة، فإذا بها تتخذ قراراً جريئاً بنشر أى شىء يصلها، حتى لو كان يمس المستويات العليا للدولة.. راهنت على شيئين.. قوة الرأى العام وعدالة القضاء وإسقاط العلاقة الشخصية بين الصحفى والمسؤول، حتى لو كان أحد مصادر التمويل المهمة وصديقاً شخصياً.. أدركت، وهى «الجديدة» على المهنة، أنها لابد أن تقدم بضاعة مختلفة لتنافس.. صحيفة لا تشبه أحداً وتحقق ضربات استباقية..

وهكذا بمجرد أن جاءتها الدراسة السرية، التى تدين الحكومات الأمريكية المتعاقبة بتهمة إرسال آلاف من الشعب الأمريكى إلى حرب خاسرة، لم تتردد فى النشر، رغم صداقتها العائلية القوية مع وزير الدفاع، ورغم تحذير محاميها بأن نشر التقرير سيجعل المستثمرين الجدد الذين جلبتهم للصحيفة ينسحبون، لكنها لم تهتم.. بل إنها لم تعبأ باحتمال دخولها السجن لانتهاكها حظر النشر فى التسريبات.. كما قلت، كانت تثق فى مبدأ قانونى أمريكى مهم، هو «حرية تبادل المعلومات»، بالإضافة إلى ضغط الرأى العام..

على الجانب الآخر، تجد رئيساً للتحرير، هو بن برادلى، الشهير، الذى كتب اسمه بتاريخ من نور فى الصحافة بموقف لا يستطيع أحد أن يقدم عليه فى عالمنا العربى.. اتصل الرئيس الأمريكى «نيكسون» به، طالباً تغيير مندوبة الصحيفة فى البيت الأبيض، لأنها تستفزه بأسئلة محرجة لا يمكنه الإجابة عنها علناً فى المؤتمرات الصحفية.. لكن «برادلى» رفض تماماً، وقال للرئيس إن المحررة تعمل فى الصحيفة وليس فى البيت الأبيض.. يا نهار اسود.. ده احنا نترفد فوراً على إجابة أقل من تلك.. طوال الفيلم يردد كلمة فى منتهى الخطورة: «حماية حق النشر.. تتم بالنشر»..

تخرج من الفيلم وأنت مسكون بالقناعة التى يعملون بها، وهى أن الصحافة تكمل العملية الديمقراطية، وهى أداة للمحاسبة وسلطة لمراقبة القانون وتكفل حق الشعب فى المعرفة..

وتبقى الدرع التى تحمى الصحفى والصحيفة من سيف السلطة هى قضاء مستقل ينتصر لأحكام الدستور.. المحكمة الأمريكية التى نظرت القضية المرفوعة من الحكومة ضد «الواشنطن بوست» لخرقها قانون حظر النشر الذى أصدره الرئيس، هى التى حمت الصحيفة والناشر ورئيس التحرير.. أهم حيثيات الحكم ما قاله القاضى من أن الصحافة هى الضمير المهنى للشعب، وعلى مَن يمارسها ألا يخلط بين نزاهة الكلمة وشرف القلم وبين رضا السلطات والمسؤولين.. أشارت المحكمة إلى أن هذه المهنة تخدم مصالح المحكومين لا الحكام.. الشعب لا السلطة.. هذا الحكم هو الذى سلّح الصحيفة بجرأة فائقة لتنشر بعدها فضائح ووتر جيت التى أطاحت بـ«نيكسون»، وكان سيستمر بفساده السياسى، وربما يُعاد انتخابه، رغم أن التاريخ يقول إنه من أفضل الرؤساء السياسيين.. السلطة القضائية عندما تخدم العدالة تكتسب الاحترام والتقدير لدى الشعب.. ويتجلى هذا فى مشهد الختام، والناشرة، كاترين جراهام، تخرج من المحكمة، وسط تدفق هتافات الإعجاب لها والاحترام للعدالة..

أهم ما استوقفنى فى الفيلم أن الذى أمر بإجراء الدراسة السرية المسربة من وزارة الدفاع هو وزير الدفاع نفسه «ماكنمارا»، ورغم أنه جاهد لإخفاء الحقيقة وكذب على الصحفيين، فإنه كان أميناً ونبيلاً، حيث مارس نقد الذات، وسعى لمعرفة الخلل الذى يُلحق الهزائم بأقوى جيش فى العالم.. كل تقدم فى الشرق أو الغرب يبدأ من نقد الذات وليس جلدها.. خرجتُ من الفيلم والحزن يكتنفنى وأنا أقارن بين مهنة أحببتها وخذلتنى وبين دول أخرى تتسلح فيها الصحافة بأحكام القضاء وتحترمها السلطة.. والله من وراء القصد!.

  • منقول عن ” المصرى اليوم “

شاهد أيضاً

تقرير سياسي عن أحداث الساعة

خيوط الميزان بقلم : سمير رجب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقرير سياسي عن أحداث الساعة دولة 2020 صناعة …