الإثنين , 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / كُتّاب " مصرية نيوز " / الحصان الجائع.. والحوذي الغلبان!

الحصان الجائع.. والحوذي الغلبان!

بقلم : محمد على إبراهيم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كثيرون زاروا الاقصر في عز مجدها.. درة التاج للسياحة المصرية وأحد أهم موارد العملة الصعبة لخزانة الدولة.. هي أهم مقصد مصري لدي وكالات السفر العالمية.. الأسبوع الماضي سنحت لي زيارة خاطفة لها وهالني ما رأيته من أحوال أهلها وحوانيتها بل حيواناتها.. ما زال جمالها لافتا للنظر لكنها اكتست بغلالة سوداء من الحزن..

لوجوه ساهمة.. الرؤوس مطأطئة.. الكساد يغلفها من الصباح للمساء.. تمشي في أزقتها النظيفة فتشعر وكأنها تبكي صعوبة المعيشة وندرة الرزق.. الغرفة المزدوجة في أفخم فنادقها بـ 500 جنيه بالإفطار والعشاء في الليلة.. كانت بألفي جنيه إقامة فقط قبل ذلك.. وقفت لشراء لبس فرعوني أوصاني عليه حفيدي.. سألت البائع عن سعره فقال 200 جنيه.. اندهشت.. وإذا بالدموع تكاد تطفر من عينيه وهو يقول خذه بأي ثمن حتي لو بـ 20 جنيهاً.. خجلت من نفسي وأعطيته 50 جنيهاً فكاد يقبلني فرحاً وهو يقسم أنه أول ثوب يبيعه منذ 3 شهور ..

الأقصر مدينة تعيش على السياحة فقط.. رجال ونساء وأطفال لا يجيدون عملاً إلا ما يتعلق بهذه الصناعة التي قتلها الإرهاب أو التآمر أو فشل المسؤولين أو كل هذه العوامل مجتمعة وقضي الناس نحبهم مع وفاتها ..

سألت موظف الاستقبال عن عدد السياح بالفندق الضخم المطل على النيل الخالد فقال 18 سائحاً.. أربعة يتحدثون الفرنسية من دولة أفريقية والباقي من الصين ويتكلمون قليلاً من الانجليزية.. قلت لنفسي إننا في الموسم المنخفض أو Low season حيث تقل الافواج وتنخفض الاسعار كما يحدث للاسكندرية في الشتاء.. لكن الاقصر حالة خاصة.. فالرواج المعتاد من اكتوبر لمايو كان يغطي كساد الصيف «النسبي» لكنها الآن بدون موسم ذروة أو ندرة ..

في أحد محلات بيع الحقائب والمنتجات الجلدية الأنيقة يقف صبي في حدود الثانية عشرة من عمره يكاد يجذبنا من أيدينا لشراء أي شىء.. سبحان الله.. قبل سنوات قصدت هذا المحل لشراء محفظة جلدية بمواصفات خاصة.. وقتها قال لي صاحبه مقنما «نحن لا نبيع للمصريين» يا سيدي! لماذا يا أخي.. اعتذر مرة أخرى وقال المصريون يهوون الفصال والمجادلة.. وأنا أبيع لكن بأسعار يراها المصري مرتفعة وللأجنبي بالدولار وطبيعي أفضل السائح لأن مكسبي منه أكبر فهو يشتري «تذكاراً» وربما لا يعود مرة أخرى فيحتفظ بما اشتراه.. أما المصري فيمكنه الحصول على المنتج من القاهرة أو الاسكندرية أو أي مكان ربما بسعر أرخص.. كما أن القيمة التذكارية غير متعارف عليها في بلادنا ..

المهم أنني دخلت المحل هذه المرة لأجد ترحاباً هائلاً ورغم أنني لم أكن أنوي الشراء لكن وجه صاحب البازار المهموم وعدم وجود عامل يساعده كما في السابق حفزني.. السنوات والكساد وآثار المرض حفروا في جسده علامات العجز فصار يتحرك بصعوبة.. اشتريت حزاماً جيداً ودفعت ما طلبه وكان للغرابة قليلاً ..

غير أن أشد ما أبكاني في هذه الزيارة هي الجولة التي اعتاد كل من يزور الأقصر على تجربتها وهي فسحة بالحنطور على الكورنيش والتي اشتهرت بعد فيلم «غرام في الكرنك» وأغنية الراحل محمد العزبي ورقصة محمود رضا.. في العادة لم يكن الحوذي يقبل بأقل من 150 جنيهاً أو 30 دولاراً من الأجنبي بأي حال من الأحوال.. كنا ننتظر دورنا لأن الحوذية والحناطير مشغولة بصفة دائمة.. الآن الجميع متراصون بلا عمل.. العدد قل جداً.. عرفت أن البعض باع خيوله وسافر ليعمل في المشاريع الكبري.. امتهنوا طائفة المعمار ونادراً ما كان أهل الأقصر يلجأون للعمل خارج محافظتهم.. سألت الحوذي كم تريد.. بانكسار أجاب اللي تدفعه.. أضفت يعني أيه اللي ادفعه اديك 30 جنيهاً مثلاً.. لدهشتي رد «فضل ونعمة من ربنا».. وفي الطريق قال عارف يا استاذ أنا باشتغل عشان الحصان المسكين دهه.. فلوسك سيأكل بها يومين أو ثلاثة.. والمشوار القادم إذا شاء ربي حيكون لأهل بيتي.. الحصان هو اللي بيصرف علينا.. لازم اراعيه عشان ربنا يرزقنا».. لن أحكي عما قدمته له لأن هذا بيني وبين الله.. لكني لعنت أبوالإرهاب والفشل والنوم في العسل وكلها جعلت أكبر مدن العالم أزدحاماً بالآثار تبكي الجوع والفقر.. ولا حول ولا قوة إلا بالله..

شاهد أيضاً

الأفعى .. وعشبة ” جلجامش “

بقلم : حميد سعيد ــــــــــــــــــــــــــــــــــ قرأت أخيرا رواية ” في مديح الحب الأول” للروائي العراقي …