الثلاثاء , 26 سبتمبر 2017
الرئيسية / ثقافة وفن / ” الأنثى الغائبة ” .. تخرج من وراء حجاب الماضي

” الأنثى الغائبة ” .. تخرج من وراء حجاب الماضي

لوحة : سارة شمة
لوحة : سارة شمة

 

* نوري الجراح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

” الأنوثة ” .. هل يوجد خطاب ثقافي عربي حولها ؟ وهل أسعفت أولويات الثقافة العربية المعاصرة ، العقل العربي وجماعات من مثقفي التنوير والتطوير ،  أو ممّن اعتنقوا أفكار التجديد والحداثة  ، على بلورة خطاب فكري عربي ، حول الأنوثة ، يمكن أن يقيّض له أن يكون مركزياً في المجتمع ، أو منافساً قويا لفكر غيبي نكوصي ، ما برح ينشط في وسط تيار التفكير العام  ، حاقناً مخيال الجماعة ، باستيهامات ماضوية لتكريس مشروع “استعادة الماضي”  ، ومنتجاً مكانته المتفاقمة في أذهان الناس؟

أسئلة تبدو وجيهة فكرياً. لكن كيف لنا أن نطرح السؤال حول الأنوثة ،  في ظل حريق عربي هائل من دون أن يبدو هذا السؤال ضرباً من الترف، بل كيف يمكن لنا النجاة بهذا السؤال من تهمة كهذه في ظل تقهر عربي مريع انحدر بأولويات الوجود الإنساني إلى درجة حفظ النوعين معاً الذكورة والأنوثة من فناء فعلي، وقد استثمر الاستبداد الحاكم في الأمة جحيم مخيلتها وجهنم أشباحها وأبالسة أفكارها لينتج الزنزانة والمعتقل والمذبحة وحقول الجماجم. ومعها غرف الاغتصاب الفردي والجماعي الذي شمل الأنوثة والذكورة معاً هادفاً سحق كرامة الفرد والجماعة.

***

هناك أحيانا خلط مفهومي في تعريف طائفة من المصطلحات المتداولة في النقاش الثقافي العربي، وخصوصاً مصطلح “الأنوثة”، ففي هذا الحيز غالباً ما يلجأ المثقفون العرب إلى الترجمة انطلاقاً من قوة حضور المصادر الغربية في ثقافتهم وأحياناً هيمنتها على بقية المرجعيات التي تشكل الثقافة التي ينتمون إليها.

لن ندخل في هذا، هنا. ولكنّني أستعين في تقليب مصطلح الأنوثة وقراءته إلى جذور ومصادر عربية. حتى لا يقودنا الكسل في البحث بعيداً عن حقيقة الثقافة نفسها وعن مواطن القوة والإشراق المتحققة والكامنة فيها التي يمكن أن تنافس مواطن العتمة في هذه الثقافة، وهو ما يمكن أن يعطي الأمل بإمكان ربط ماضي الثقافة بحاضرها، وحاضرها بمستقبلها انطلاقا من تلك الصّوى والعلامات المضيئة. لكي لا يكون التحديث بالتالي فعلا خارجيا اغتصابيا، وتعبيراً مرضياً عن الانخلاع من الذات.

***

“إنا إناثُ لما فينا يولّده فلنحمد

الله، ما في الكون من رجل”.

هذا البيت لابن عربي، المولود سنة 560 هجرية 1165 ميلادية في مدينة مُرْسيه في الأندلس، والمتوفى في دمشق سنة 638 هجرية 1240 ميلادية والمدفون اليوم بتربة جامع يحمل اسمه في سفح جبل قاسيون.

يضيف ابن عربي:

“إن الرجال الذين العُرف عيَّنهمْ

هم الإناثُ وهم نفسي، وهم أملي”.

لا أجد صوتاً في الثقافة العربية بأسرها منذ القرن الثاني عشر الميلادي وحتى اليوم يمكن أن يكون أكثر عمقا وإشراقاً في فهمه وانشغاله بمفردتي المؤنث والمذكر وفي علاقته بذاته المكونة من هذين العنصرين وبالعالم، من الشيخ محيي الدين بن عربي، المعتقد بمبدأ وحدة الوجود، لما تفصح عنه نظرة ابن عربي إلى المؤنث من فهم خاص للإسلام في رؤيته إلى الأنوثة والذكورة والمرأة والرجل. والمعتقد في الوقت نفسه بإمكان الوصول إلى ما يسميه المتصوفة المسلمون بـ”الحق”، عبر طرق كثيرة:

“عقد الخلائق في الإله عقائد

وأنا عقدت جميع ما عقدوه”.

لقد قاد هذا الفهم للوجود ابن عربي (الذي جرى تكفيره مراراً من قبل غوغائيي التيار السائد في عصره، ولاحقاً على ذلك العصر) إلى ابتكار توصيفات خلاقة للمؤنث في علاقته بالمذكر، وللموقف من الأنوثة، حتى ليمكننا القول إن حضور الأنوثة والمؤنث في فكر ابن عربي وفي ثنيّات من خطابه الديني والفلسفي والأدبي يجعلنا على يقين من أنه متصل عميقا بتصوراته الكلية نحو الوجود والإنسان.

***

لربّما كانت ضآلة الوعي النقدي وضعف الاستعداد لفحص ومراجعة المقولات التي تسيطر على الوعي الجمعي وتأسر المخيلة الجماعية للمثقفين سببين لافتين في تخلف تلك الذهنية التي دأبت على إنتاج وإعادة إنتاج الأوهام حول الآخر/المرأة، وحول الوجود المؤنث في سياق نظرة إلى الأشياء تسلِّم بالمعطى من دون فحص، وتأخذ بالأشياء على عواهنها وعلاّتها. يستوي في ذلك (وإن بدرجات متفاوتة) المثقف الإسلامي والمثقف العلماني (قومياً) كان أم ماركسياً، أو هو ليبرالي، سلفيا كان أم حداثياً.

والسؤال، الآن، ما الذي يجعل النظرة إلى المرأة والسلوك إزاءها لدى هؤلاء الذكور جميعاً، محكومين، في الجوهر منهما، بمقاييس ومعايير متقاربة، حتى لا نقول متشابهة؟ (قيم الرجولة ومقاييسها السائدة) بما يجعلنا نتخيل أن الفجوات القائمة بين فكرٍ وفكرٍ يتخالف معه تبقى نظرية، حتى لا نقول قِشريّة، وبالتالي لا تجد ما يردمها إلا بما في ذلك السلوك المشترك من تسييد لقيم ذكورة معتدّة بتفوّقها.

بداهة، يبدو لي أن الموقف من الأنوثة والمرأة لا بد أن يعتبر معيارياً مادام وعينا يسلم بحقيقة أن الوجود ينهض على عنصري الذكورة والأنوثة، وأن الحياة لها صانعان متساويان في الجوهر رغم اختلافهما البيولوجي والنفسي وفي بعض الوظائف وعبر الأوضاع التاريخية المحيطة بها مجتمعياً.

وإذا كانت خبرة الوعي بالشيء هي المدخل لتغيير جوهري في الموقف من الأشياء فإن المثقف النقدي، بوعيه المتجدد، هو، من حيث المبدأ، الأقدر على التخلي عمّا اغتصبه (الرجل) عبر التاريخ من حقوق المرأة واعتبره حقاً مكتسباً، ممزِّقاً بذلك النسيج الروحي والنفسي المضيء الذي ظلّ يلوّن الكائن بألوان الأنوثة والذكورة ويصنع المتعدد فيه. لكن فئات المثقفين ظلت في هامشية التأثير في المجتمعات العربية عندما كان الأمر يعلق بالمرأة، خصوصاً أن الأنثى لطالما واجهت بنى مجتمعية متقادمة ذات طبيعة أبوية متسلطة ومتمسكة إلى أبعد الحدود بما اغتصبت من حقوق المرأة ووجودها المؤنث، وهي ما تزال غير مستعدة للمساومة على حدود هيمنتها.

***

بالعودة إلى السؤال الأساس حول الأنوثة والمؤنث والخطاب الغائب في فوضى خطابات التسلط والتشدد والإرهاب والجريمة، نسأل مجدداً: كيف لمثل هذا التفكير في خطاب عربي حول الأنوثة أن يوجد مادام واقع المرأة إلى تقهقر ومكانتها في الثقافة والاجتماع تدخل أكثر فأكثر في تشويش كبير في ظل ثقافة مجتمعية منافقة تسودها سلسلة لا نهاية لها من الازدواجيات في التفكير والسلوك، وأكثر ما تتجلى هذه النفاقية في صفوف المثقفين أنفسهم والأمثلة على ذلك لا تحصى.

إنه، إذن، لسؤال آخر لا بدّ من طرحه وتبيان السبل في التعامل معه، وهو ما ينبهنا باستمرار إلى تداخل وتشابك، بل وتعقيد لا نهاية له بين كيان الأنثى وحضورها في الثقافة والاجتماع، وبقية الكيانات التي هيمنت عليها قوانين الذكورة وقيمها التسلطية.

***

لنأت الآن إلى السؤال الجوهري: ما الذي يجعل المثقف العربي خائفاً ومرتاباً من المؤنث والأنوثة؟

لنكن أكثر صراحة ونعترف بأن الشخص الموصوف تقدميا في ثقافتنا العربية يسلّم بالأفكار الجديدة والجريئة، وعندما يصل الأمر إلى السلوك تتبدّى مظاهر عجزه عن المغامرة وخوفه من الأخذ بها أخذ السالك، حتى لتبدو الهوة بين الفكر وفعله في الواقع والوقائع سمةَ ثقافةٍ ودليلاً إلى شرخ عميق في الشخصية الثقافية العربية.

إن السؤال، هنا، حول المؤنث والرجل يتيح فرصة لامتحان مدى استعداد المثقفين العرب وجديّتهم في مراجعة منظومة كاملة من الأفكار والتصوّرات والأعراف التي أسست لقيمهم ومبادئهم ونظراتهم الخاصة إلى الوجود، بدءاً من وجودهم الخاص. وهذا، بداهة، لا بد أن يجد ترجمته في مجمل المواقف من الحياة والمجتمع والثقافة والتاريخ، وفي الأساس منها النظرة إلى الآخر/الأنثى وموقعها الاجتماعي.

***

أخيراً لا بد أن نعترف أن الثقافة المجتمعية العربية تحتشد بجملة من التصوّرات المتناقضة والمتضاربة حول “الكيان الأنثوي” المغيّب والمحتجب وراء غلالات سميكة من الاستلاب الأبوي والسلطوي والديني بتجليات ثقافية وحقوقية يسندها واقع اجتماعي وسياسي عربي بلغ ذروة الاضطراب. والخلاصة المؤلمة هي تأبيد الخلل:

لكأنّ الأنثى بإزاء (رجولة الرجل) في العالم العربي ما تزال الأدنى بإزاء الأعلى، والأضعف بإزاء الأقوى، والقاصر بإزاء الحامي، بل والناقص عقلاً بإزاء الحكيم. ولها في ختام هذه السلسلة من الصفات والأوضاع مقعد المربية المنضبطة امتداداً لوظيفتها النهائية كحاضنة أطفال، ومعه مرآتها المشوهة وصورتها الحزينة. أما عالمها الذاتي فهو لن يحضر إلا كتفصيل في عالم الرجل.

****

“المرأة مستقبل العالم”.

هذا سطر في قصيدة الشاعر الفرنسي أراغون. لقد كان على حق. إنما لكي تكون المرأة مستقبل العالم لا بد أولا أن تكسر تلك المرآة المشوهة، مرآة الوهم وتخرج من وراء حجاب الماضي السميك الذي غيّب وجودها الموجود ليشعّ على العالم النور الكلي للمؤنث الذي رآه ابن عربي وتشبّع به حتى قال “كل مكان لا يؤنّث لا يعوّل عليه”.

* شاعر من سوريا مقيم في لندن

 

شاهد أيضاً

فيروز

فيروز .. “حكايات كتير” .. تسرد مشوارها  مع الفن والحياة

كتبت ـ فاطمة جمال الدين طرحت المطربة اللبنانية فيروز ، ألبوم “ببالي” ، الذى يسرد …