السبت , 21 أكتوبر 2017
الرئيسية / كُتّاب " مصرية نيوز " / أربكان .. ومبارك .. والأخوان

أربكان .. ومبارك .. والأخوان

بقلم : حلمى النمنم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جاء في مذكرات السيد عمرو موسي التي نشرتها “دار الشروق” قبل أقل من أسبوعين واقعة تستحق أن نتوقف عندها تتعلق بالرئيس الأسبق حسني مبارك كان مبارك في زيارة إلي تركيا ومعه وزير الخارجية عمرو موسي وكان مبارك وقتها موضع تقدير بالغ لدي الرئاسة والمسئولين الأتراك وكان نجم الدين أربكان ظهر في الساحة وتولي رئاسة الحكومة وطلب أن يلتقي مبارك. لم يكن الرئيس المصري متحمساً ولا كان اللقاء مدرجاً في برنامج الزيارة. ومع ذلك ارتأي أعضاء الوفد المصري أن يمنح الرئيس مبارك. أربكان فرصة. كرئيس وزراء جديد. يريد أن يقدم نفسه. وبالفعل جري تحديد موعد له. وما أن جلس مع الرئيس المصري. حتي بادره: سيادة الرئيس لي طلب عندك. واستمع مبارك باهتمام وبأريحية. يبدو أنه توقع أن لدي أربكان مطلباً شخصياً يتمني تلبيته. لذا استمع إليه باهتمام وربما باستعداد للتلبية. وكان مطلب أربكان الذي قاله: سيادة الرئيس أرجوك أن تفرج عن قيادات الإخوان. فوجئ مبارك ورد عليه بحدة وانفعال. وكانت أول كلمة قالها: وأنتم مالكم.. واعتبر ذلك تدخلاً في الشأن الداخلي المصري. وهو أمر مرفوض تماماً. وقال كلمات أخري قاسية لأربكان. ويكمل موسي: أنه أعطاه ظهره وانتهت المقابلة.
لم يكن أربكان من دعاة الديمقراطية والحريات. لكنه كان واضحاً في تبنيه الدفاع عن تيار وفصيل. احترف العنف والإرهاب في مصر. ولم يكن هو شخصياً. بعيداً بالفكرة والأيديولوجيا عن هذا التيار. والواضح أن مبارك التقط ذلك من اللحظة الأولي. ولعل هذا ما جعله في البداية غير مرحب باستقباله والجلوس معه. ولما سمع منه. لم يشأ الدخول في نقاش أو جدل معه. وإنما “نهره”. طبقاً لما رواه عمرو موسي. والمهم أن رسالة كل طرف وصلت إلي الآخر بلا موارل½بة.
لم تنجح تجربة أربكان. وفشل سريعاً. وأطيح به. أطاحه تلاميذه ومن بينهم الرئيس أردوغان نفسه. وإن كان هو شخصياً خرج من المشهد السياسي. لكن مطلبه من مبارك لم يكن بعيداً عن ذهن من خلفوه حزبياً وسياسياً.
مطلب أربكان كان يعني لدي الدولة المصرية أن عين فريق من السياسيين الأتراك علي الإخوان وأن قلوبهم معهم ونفوذهم. إن أمكن. وأتصور أن الدولة وأجهزتها لم تغفل عن ذلك. وإلا لما وجدنا الرصد الدقيق. عبر سنوات. للعلاقات والتعاملات بين عدد من قيادات الإخوان وأطراف تركية وأطراف دولية عبر تركيا. وقد وصلت هذه العلاقات إلي حد التدبير والتخطيط للدفع بالإخوان إلي تصدر المشهد السياسي في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011. والمساندة الكبيرة التي تقدم من تركيا لفلولهم بعد ثورة 30 يونيه وحتي الآن.
تعاطف تركيا مع المتأسلمين ليس جديداً. ولا مرتبطاً بشخص بذاته. الذين عاشوا سنة 1965 ومحاكمة سيد قطب. يعرفون أن تركيا كانت من الممتعضين والغاضبين لمحاكمة قطب. ونعرف أن كتابه “معالم في الطريق” كان يقرأ هناك. وإن لم يكن علي نطاق واسع. منذ صدوره مطلع الستينيات. والواقع أن عين تركيا مفتوحة علي الاتحاد الأوروبي. وغاية المني أن تنال عضويته. وقد قدموا الكثير من التنازلات للدخول في النادي الأوروبي. بعض هذه التنازلات يتعلق بأمور كانت تعد من مكونات الهوية التركية. ولم تتحرك العين التركية عن هذا الموقع. لكن العين الأخري علي منطقتنا وعلي العالم العربي. وفي القلب منه مصر. ومن ثم فإن التركيز والمساندة التركية سوف تكون لذلك التيار الذي يحن إلي أيام الدولة العثمانية. أولئك الذين أطلقت عليهم. منذ منتصف التسعينيات “العثمانيون الجدد” دعاة العودة إلي دار الخلافة ودولة الخلافة.
ولا يجب أن يفوتنا أن هذا التيار تأسس في مصر. علي خلفية إسقاط الدولة العثمانية. ومحاولة لاستعادة هذا النموذج للدولة. ومن ثم فإن هذا التيار من البداية معاد للدولة الوطنية المدنية ومنحاز إلي المدرسة العثمانية. انحيازاً بالهوي وبالفكرة وبالمعتقد أيضاً. ومن ثم لم يكن غريباً أن يتبني مطالبهم أربكان. ولا أن يسعي لمقابلة رئيس جمهورية مصر ليقدم له هذا المطلب.
دبلوماسياً قد يري البعض في هذا المطلب عدم لياقة. وخرق للبروتوكولات السياسية. لكنه في الحقيقة كان مدفوعاً بميل أيديولوجي. لم يستطع أن يقاومه.
تركيا ودعت إلي الأبد زمن الخلافة وألغت دولتها سنة 1924. وأقامت الجمهورية العلمانية مكانها. لكن يبدو أن هناك حنيناً إلي نفوذ وتأثير ودور دولة الخلافة في منطقتنا. هذا النفوذ والتأثير. سوف يتحول لديهم إلي ثقل سياسي واستراتيجي وإلي عوائد مالية واقتصادية ضخمة واستثمارات في المنطقة. نحن إذن أمام أهداف برجماتية مباشرة. يتم تغليفها بإطار شبه أيديولوجي وحنين إلي التاريخ. أو زمن الأجداد وأيامهم. كما عبر ذات يوم الرئيس المعزول. المدان قضائياً بالتخابر. د.محمد مرسي. حين احتج علي عرض مسلسل “حريم السلطان”.
والحق أن فترة حكم الإخوان أسقطت ورقة التوت وكشفت أن الارتباط بين العثمانيين الجدد هنا وهناك يفوق ما كان متوقعاً. إذ يبدو أنه صار ارتباطاً عضوياً أو بنيوياً. وصل كل طرف فيه إلي حد عدم العودة أو التراجع. إلا إذا غلب الطابع البراجماتي واقتنع أن معادة الشعب المصري. بكل ثقله ومكوناته. لا يمكن لأي طرف احتماله وأظن أن مسيرة مصر. شعباً ودولة في الأعوام الأخيرة تثبت ذلك. خاصة أن أقنعة الإرهاب راحت تتكشف خاصة. عن أولئك الذين يمولون ويساعدون ويحرضون.
بالتأكيد هناك كثير من الأتراك ليسوا سعداء بمحاولة التدخل في الشأن المصري. وقد لا يحبون تذكر أيام الخلافة العثمانية. ولكن هؤلاء في المعارضة وليسوا من صناع القرار. وفي كل الأحوال ليست المشكلة كلها في وجود طرف أو أكثر يريد أو يطمح ويسعي إلي التدخل في شئوننا. والحق أن موقع مصر الحساس والمتميز. يغري البعض بالتدخل والطمع. هذا هو ثمن الجغرافيا. الذي يجب أن نعيه ونستعد له. بأن لا نمكن من يريد أو يطمح إلي التدخل.
الجانب الأكبر في المشكلة أن يكون بيننا من يمنحون من يريد التدخل المبرر للتدخل وأن يصبحوا مخالب لهم هنا. وسطنا.
وفي زمن العولمة والفوضي الخلاقة. لم نعدم من يصرخون بأعلي الصوت مطالبين هذا أو ذاك بالتدخل المباشر في شئوننا. هل نتذكر أحد هتافات بؤرة رابعة العدوية الإرهابية “واحد.. اثنين. الأسطول السادس فين”. والمقصود طبعاً الأسطول السادس الأمريكي الذي كان مرابطاً في البحر المتوسط. في المياه الدولية. وهؤلاء هم أنفسهم الذين تحدث أربكان بشأنهم.
وقد تتباين مواقف وأفكار دعاة التدخل. لكنهم يلتقون في النهاية عند نقطة واحدة. تجمع بينهم وتوحدهم. رغم التناقضات الجانبية بينهم.
ولابد من القول إنه إذا كان هناك من لا يمانع في تدخل الآخرين. بل ويطلب منهم أن يتدخلوا. فإن لدنيا الملايين. الذين يتمسكون برفض أي تدخل في شئوننا. مهما كان الثمن. هؤلاء الملايين هم الذين كانوا في شوارع وميادين مصر يوم 30 يونيه. مدافعين عن هويتهم ووطنيتهم. أقصد مصريتهم. وهذا ما يدعو إلي الثقة والتفاؤل والأمل.

شاهد أيضاً

محمد أبو الحديد

عن المصالحة والإرهاب .. والأزمة القطرية

بقلم : محمد أبو الحديد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثلاث قضايا تتصدر اهتمامات المصريين والعرب هذه الأيام. وتبدو …